تحفيز أسواق المال

  لا تزال أسواقنا المالية، في طور الابتداء والنشوء تجاهد ما أمكنها لتتغلب على الكثير من المعيقات الداخلية والخارجية التي تواجهها، وبالمختصر المفيد فإن الفجوة ما تزال عميقة بين واقعها الحالي وبين الخطط المقرة والأهداف الموضوعة لتصبح قوى اقتصادية يعتد بها ضمن اقتصاد قوي ومنافس، متعدد الموارد. فالاستثمار الخارجي والقوة الشرائية وأحجام البيع والشراء ورأس المال ومصادر التمويل وآليات التسويق والترويج والقدرة على المنافسة والابتكار ... جميعها ما تزال ضعيفة، لذلك فهي تتأثر بأقل القليل من الهزات والأزمات المالية والقرارات والسياسات الضريبية والخطط والبرامج التي تدعو إلى المزيد من المنافسة وفتح وتعاون أسواق المال - الهشة والمحدودة والضعيفة أصلا - لدخول مستثمرين جدد محليين وأجانب. وقد قادت أزمة انخفاض أسعار النفط الكارثية قبل أكثر من ثلاث سنوات العديد من الحكومات الخليجية إلى إقرار ضرائب ورسوم أدت إلى خنق وتراجع أداء الكثير من القطاعات الاقتصادية ومنها أسواق المال.  وفي إحدى الأمسيات الرمضانية التي ناقشت أوضاع سوق مسقط للأوراق المالية أكد الفاضل/ أحمد بن صالح المرهون مدير عام سوق مسقط للأوراق المالية، بأن (الاستثمار الأجنبي تراجع في سوق مسقط للأوراق المالية إلى حوالي ٣٧%)، ويحمل العديد من الخبراء والمختصين في أسواق المال والمستثمرين في سوق مسقط ضريبة الـ ١٠% المفروضة على (توزيعات الأرباح للمساهمين الأجانب) المسؤولية كونها كانت عاملا مهما من عوامل عديدة لضعف أداء السوق وتراجع الاستثمار الأجنبي، وطالبوا في مناسبات عديدة بـ (تجميد أو إلغاء) هذه الضريبة لإعادة الحيوية والنشاط إلى السوق الذي تراجعت أحجام تداولاته وأسعار الأسهم فيه إلى مستويات لم تصل إليها من قبل، فسهم (عمان تل)، على سبيل المثال تراجع من أكثر من ريال ونصف قبل أكثر من ثلاث سنوات إلى ما دون ٥٥٠ بيسة بأسعار اليوم، مواصلا استنزافه لمدخرات المستثمرين في السوق ومن بينها صناديق التقاعد بشكل يومي، ووفقا للأرقام الموثقة التي عرضها الدكتور صالح الطالب الخبير بسوق للأوراق المالية في ذات الأمسية الرمضانية، فقد تراجعت الأسهم في السوق بنسب بلغت ٣٨% لقطاع الطاقة، و٢١% لقطاع البنوك، أما قطاع الاتصالات فبلغت نسبة تراجعه ٢٧%، والاسمنت ٥٥%، وقطاع الصناعات الإنشائية ٥٩%، وأشار الطالب قائلا بأن (فرض ما نسبته 10% كضريبة على توزيعات أرباح المستثمرين الأجانب أثر بصورة سلبية على شهية الاستثمار الأجنبي في السوق).  الأداء الضعيف لسوق مسقط للأوراق المالية فرض واقعه على جهات الاختصاص التي سارعت بعد هذه الأمسية مباشرة إلى تعليق العمل بضريبة الدخل المتعلقة بتوزيعات أرباح الأسهم والفوائد على الأجانب البالغة ١٠% وذلك لمدة ثلاث سنوات قابلة للتمديد، وهي ضريبة لا مبرر لتطبيقها من الأساس فقد كان ضررها كبيرا على أداء السوق ومدخرات المستثمرين فيه وتراجع الثقة والاستثمار الأجنبي على السواء. لقد أكدت في مقالات سابقة على أهمية تشكيل فريق اقتصادي كفؤ ومقتدر متعدد التخصصات في الجوانب المالية والاستثمار وشؤون الاقتصاد، يتولى دراسة مشروعات القوانين وأنظمة الضرائب والرسوم ومدى تأثيراتها على المناخ العام للأسواق والقطاعات الاقتصادية التي تستهدفها وحجم العوائد منها على الخزانة العامة للدولة، مقارنة بالتأثير، وتقديم الرأي بشأنها قبل إقرارها، فأسواق المال الناشئة في بلداننا الخليجية تحتاج إلى التحفيز والدعم لتتمكن من النمو والتطور، لا إلى تطبيق مزيد من الضرائب تقودها إلى الانكماش والتراجع.