تقوية ركائز اليورو

يقول «يانيس فاروفاكيس» في كتابه «خسارة الضعفاء» إن الدول الضعيفة، مثلا اليونان، تخسر في وحدات نقدية كبيرة لكن الوقائع الأخيرة تثبت أنه على خطأ. فاليونان خرجت من مستنقعها بفضل التعاون الأوروبي والعالمي دون أن يعني ذلك امكانية العودة الى الفوضى. عندما كان وزيرا للمالية، وضع الدول الأوروبية الأساسية في موقف عدائي نتيجة خطابه علما أن المنطق لم يكن خاطئا. عندما قال له الوزير الألماني أن دولته تريد استرداد قروضها، أجابه فاروفاكيس عن الوقت التي تحتاج اليه ألمانيا لتسدد لليونان قيمة الخسائر التي سببتها فيها خلال الحرب العالمية الثانية. لم يتعود الألمان على هذا المنطق، وبالتالي شكل نقطة الطلاق النهائي بين حكومته والحكومات الأوروبية الأساسية أهمها الألمانية، مما استوجب استبداله في المالية. عندما واجهه الأوروبيون بضرورة تسديد اليونان لبعض الموجبات المالية، أجاب بأن على الأوروبيين اعادة جدولة الديون كي ترتاح وتنمو وثم تستطيع تسديد ما يتوجب عليها. هذا ما جرى لاحقا مما يعني أن المشكلة لم تكن مالية فقط. حتى 1971، كان الدولار النقد العالمي الوحيد المبني على قوة أميركا الاقتصادية وعلى نظام سعر صرف نقدي ثابت. يقول فاروفاكيس أن أزمة 2008 كانت نتيجة اتفاقية «بريتون وودز» السيئة حيث رفضت الولايات المتحدة اقتراحات «كينز» الذي مثل بريطانيا في تلك الاجتماعات. كان كينز يريد بناء نظام نقدي عالمي وليس نظاما نقديا أميركيا. عندما بدأ ميزان الحساب الجاري الأميركي يصبح عاجزا، بدأ الخوف من عدم استقرار النظام النقدي وبدأ المجتمع الدولي يشتري الذهب من أميركا نفسها مما فرض عليها التخلي عن التزامها بتسديد المعدن الأصفر مقابل النقد الأخضر. استمر المصرف المركزي الأميركي في زيادة الكتلة النقدية لتجنب ركود عالمي مما سبب انخفاضا في قيمة الدولار الحقيقية وبالتالي رغبة متزايدة في التخلي عنه لصالح نقد آخر ربما المارك. فشل «بريتون وودز» أو نهايتها فرض نقد جديد تم تسميته لاحقا باليورو. أرادت أوروبا خلق نقد عالمي يحل مكان الدولار أو يشكل منافسا قويا له. ما المفروض أن يحصل اليوم لتقوية ركائز اليورو وبالتالي استمرار الوحدة النقدية الأوروبية؟ انتخاب ماكرون ساعد كثيرا في ابقاء فكرة الوحدة النقدية الأوروبية حية. كما أن وجود ترامب مع الوقت يساعد على اضعاف الدولار. الصين ليست جاهزة بعد للعب الدور النقدي المركزي العالمي. ان الوحدة الأوروبية هي أصلا مشروع سياسي وبالتالي يجب تقوية المصالح والمؤسسات الديموقراطية المشتركة. يجب معالجة بقايا أزمة 2008 التي امتدت الى المصارف والديون والاستثمارات والمواضيع الاجتماعية. وجود سلطة تشريعية مركزية قوية يساعد. اعتماد الخيارات الصائبة فيما يخص الانفاق العام وليس بالضرورة التقشف يجب أن يراعي الأوضاع الاجتماعية. يجب عدم تكرار الخطأ أي جعل الدول الضعيفة تدفع أخطاء المصارف الكبيرة المتهورة. أخيرا، سياسات ترامب التجارية وحواجزه تقلق أوروبا لكنها مع الوقت ستضر بأميركا، وبالتالي يجب على منطقة اليورو الحذر والحماية.