فكر الفقر وفقر الفكر 1 - 3

هذا هو عنوان لرواية رائعة للأديب المصري يوسف إدريس يتحدث فيها عن أن المعضلة الحقيقية تتجلى في غياب الأفكار وفقرها من حيث المحتوى والمستوى داخل المجتمع وليس فقط الفقر المادي المرتبط بالمال وبمستوى المعيشة. وقد أثبتت العديد من التجارب العالمية قدرة الدول على تجاوز الفقر المادي من خلال أفكار مبدعة ومبتكرة كما هو شأن الهند التي كان الفقر أحد سماتها الاقتصادية فأصبحت من أكثر الدول إنتاجا للتكنولوجيا عبر الاعتماد على موارد بشرية ذات تعليم كفء وعال حتى أصبحت حاليا أعلى دولة من حيث معدل النمو الاقتصادي. وهو ذات الأمر ينطبق على دول أخرى ككوريا الجنوبية التي كانت تعاني من فقر مدقع وفروقات اجتماعية وطبقية كبيرة حولتها لمحفز استثماري تمثل في إنشاء مؤسسات عائلية ضخمة بشراكات مع الدولة كحالة سامسونغ، هونداي وإ.ل.ج فصارت هذه المؤسسات رافعة للاقتصاد الكوري الجنوبي وداعمة للبحث العملي والإنتاج الفكري. وإذا تمعنا في مفهوم الفقر من الناحية الاقتصادية، فالفقر يمتلك بعدا كونيا من خلال اتساع الفجوة بين الطبقات الاجتماعية وضعف القدرة الشرائية لدى العديد من الفئات، وكذلك إفساد الشروط المعيشية. وفعليا أصبحت مواجهة الفقر هدفا دوليا يندرج ضمن برامج التنمية التي تعلن عليها الأمم المتحدة من أجل حصر دائرة الفقر في العالم، خاصة وأنه حسب آخر إحصائيات البنك الدولي فقد تجاوز عدد فقراء العالم ملياري نسمة. ولقياس الفقر، تلجأ المؤسسات الدولية إلى عدة مؤشرات تمثل محددات الفقر في العصر الحالي كنسبة البطالة، الدخل الفردي، وضعية الشباب والنساء بسوق الشغل، الفوارق الجغرافية، جودة الخدمات التعليمية، الصحية، البيئية، والترفيهية، التوفر على الماء الصالح للشرب، السكن، النقل والبنية التحتية. وعلى هذا النحو، تختلف البلدان من حيث الخصوصيات وتحتاج إلى سياسات تهتم بهذه المحددات، بظروف التنمية ومستواها والموارد المتاحة وقدرات البلد البشرية والتنظيمية. وفي العالم العربي، وعلى الرغم من تواجد موارد طبيعية نادرة، فوائض مالية وموارد بشرية كبيرة إلا أن نصف سكان المنطقة العربية يعيشون على أقل من أربعة دولارات فقط في اليوم، كما أن إجمالي الناتج المحلي للدول العربية مجتمعة لا يتجاوز 1.5 تريليون دولار، وأن نصيب الفرد العربي من هذا الناتج لا يتعدى 3500 دولار سنويا، وتلك معدلات تضع أغلبية السكان ضمن الحدود الفقيرة عالميا. وبذلك، لا تحتاج الدول العربية فقط لحلول تقليدية لمواجهة الفقر كمتابعة برامج وتوصيات المنظمات الاقتصادية الدولية بل إلى مبادرات مبتكرة في إعادة توزيع الثروة، الرفع من الإنتاجية وتطوير الرأسمال البشري.