قام أحد مديرى العموم ببنك التعمير والإسكان المصرى بالمشاركة ببرنامج تلفزيونى حول الأداء الإقتصادى ، ولما كانت الحلقة مُسجلة فقد دعا أفراد أسرته لمشاهدتها عند موعد إذاعتها ، وبعد الحلقة سأل المدير والده المسن عن رأيه فيما قاله .
فرد الوالد " واللهِ يا بنى أنا ما فاهم حاجه ، أنا إللى أعرفه لما أفتح الحنفية تنزل ميه ، أحرك زر الكهرباء اللمبه تولع ، أطلع الأوتوبيس ألاقى كرسى أقعد عليه " ، وهكذا فالرجل يريد واقع عملى يعيشه ، وليس مؤشرات عن معدل النمو والتضخم .
وبمصر كانوا بفترة الرئيس مبارك يتحدثون عن معدلات نمو تخطت نسبة السبعة بالمائة لكن الناس لم يشعروا بذلك ولهذا قامت ثورة 25 يناير ، وبتونس كانت الجهات الدولية تشيد بالمؤشرات الإقتصادية بحكم زين العابدين بن على ومع ذلك قامت الثورة التونسية .
وروى مذيع بإحدى الإذاعات أنه استضاف أستاذا للإقتصاد للحديث عن التضخم ، فإذا بالضيف يتحدث عن نقطة إلتقاء منحنى العرض مع منحنى الطلب ، فقال لمذيع فى نفسه إذا كنت أنا غير فاهم ما يقول فكيف سيفهمه المستمع ؟
وعندما أراد مذيع بإحدى الفضائيات المصرية إستطلاع رأى الجمهور عن التضخم ذهب لميدان العتبه بالقاهرة وأخذ يسأل الماره : ما رأيك فى التضخم ؟ ووجد دهشه وعدم فهم وتعجب ممن سألهم بما يشير لعجزهم عن الإجابه ، وهنا نبهه أحدى معدى البرنامج أن يغير صيغة السؤال ليكون : ما رأيك فى إرتفاع الأسعار ؟ وهنا وجد إجابات مستفيضه .
وعندما يسمع المواطن أن البنك المركزى المصرى يقول أن معدل إرتفاع الأسعار بشهر يناير الماضى أقل من 9 % خلال سنة ، فسيكون رد الكثيرين قاسيا نزرا لما يعانونه من غلاء فاحش .
ولهذا إستعاض الناس عن المؤشرات الحكومية لإرتفاع الأسعار بمؤشرات خاصة بهم ، حيث يتخذ كثير من المقيمين بالريف تغير سعر كيلو اللحم كمعيار لتطور الأسعار ، بينما يتخذ آخرين تغير سعر صرف الدولار أمام الجنيه المصرى كمعيار .
وكما يشعر الناس أن الحكومة تتحايل عليهم بمؤشرات غير حقيقية ، فقد انتقلت العدوى إليهم ، فكثير من الشركات أصبح لديها ميزانيتين إحداهما خاسرة يتم إستخدامها مع مندوبى الضرائب وأخرى رابحة يتم إستخدامها عند الإقتراض من البنوك .
ويروى شاب بإحدى الجمعيات الأهلية التى قامت بعمل مشروعات صغيرة لأرامل منطقة فقيرة ، أنه كان يمر على كشك صغير لبيع الحلوى لمتابعة حالة صاحبته ، وعندما إطلع على الكراسة التى تسجل فيها الحسابات وجد المشروع خاسرا ، ولما سألها عن سبب الخسارة ، إبتسمت قائله : " الكراسه دى لبتوع المرافق عشان يقللوا الإتاوة " ، ثم مدت يدها لتحضر كراسة أخرى قائلة " دى بقى إللى فيها الحسابات الحقيقية "