غلاء الأسعار، هذه الجملة البسيطة التي تحمل بين حروفها معاناة المستهلكين وأحلام التجار، هذه الجملة التي باتت جزءا من حياة الشعوب اليومية وشكواهم الدائمة، فنادرا ما تمر سنة إلا ويناقش الناس في معظم دول العالم كيف أن سلة مشترياتهم الروتينية أصبحت أكثر ثقلا على جيوبهم وكيف أن مصاريفهم الضرورية باتت أكثر تكلفة عليهم، فها هو المستهلك يحمل ورقة وقلما ليكتب ما لا يمكنه الاستغناء عنه من مشتريات ومدفوعات، وها هو التاجر يضرب أخماسا في أسداس ليحسب تكاليفه وإيراداته الشهرية في محاولة لتحقيق أرباح لم تعد تكفيه، وها هم أهلنا وأجدادنا يتغنون بزمانهم ومصادر دخلهم الشحيحة، والتي اعتادوا أن يعيشوا منها وكيف أنها كانت أكثر بركة لديهم. وهنا يأتي السؤال فهل أن الأجيال السابقة كانت أكثر حكمة وتدبيرا في الشؤون المالية أم أن تغيرات الحياة الدائمة باتت تفرض علينا غلاء بأسعار نفس المنتجات؟ والأهم، ما هو التفسير الاقتصادي لما يحدث؟ وكيف يتم حسابه؟ ولماذا قد يحدث؟ بداية ومن الناحية الاقتصادية فإن عملية ارتفاع الأسعار الواسعة النطاق لمعظم السلع والخدمات يُطلق عليها اسم التضخم، وهو المصطلح الاقتصادي الذي يُعبِّر عن الزيادة الثابتة في أسعار السلع والمنتجات والتي تؤدي بدورها إلى تقلُّص القوة الشرائية لنفس المبلغ من المال وهو ما يجعل من نفس وحدة العُملة غير قادرة على شراء نفس الكمية المُعتادة من السلع والخدمات، أي وبشكل بسيط فإن التضخم يشير إلى ارتفاع عام وثابت في أسعار السلع والمنتجات وهو ما يشير إلى فقدان العملات جزءا من قوتها الشرائية. ومما هو جدير بالذكر أنه وبالرغم من صعوبة قياس نسب ومعدلات التضخم، إلا أن هناك العديد من الطرق لحسابها والتي تتم غالبا بإحدى طريقتين، الأولى عن طريق قياس (مؤشر أسعار المستهلك) وهي طريقة تعتمد على قياس التغير في أسعار سلة السلع والخدمات التي تستخدمها غالبية الأسر وهي السلع التي تُعتبر مشتريات أساسية لا يُمكن الاستغناء عنها وهي بالتالي تقيس معدل التغير في أسعار المشترين، أما الطريقة الثانية فهي عن طريق قياس (مؤشر أسعار المنتجين)، حيث تقيس هذه الطريقة معدل التغير بأسعار مشتريات رجال الصناعة المحليين عند شرائهم للسلع والخدمات، حيث يعتبر هذا المؤشر أن قيام المصانع بدفع أموال أكثر على مشترياتهم يؤدي بطريقة تلقائية إلى انتقال هذه التكاليف المرتفعة إلى المستهلك، وبالتالي فإن هذا المؤشر يقيس التغيرات في أسعار شراء المنتجين بدلا من التغيرات في أسعار المشترين. وبالحديث عن أهم أسباب التضخم فإنه يمكن تلخيصها بما يلي: 1- ارتفاع التكاليف في المنتجات الرئيسية واللازمة للصناعة والإنتاج والذي ينعكس بشكل أساسي على المنتجات النهاية وخير مثال على ذلك هو الارتفاع الكبير في أسعار الوقود والذي يؤثر بشكل مباشر على ارتفاع أسعار النقل، الأمر الذي يؤدي إلى ارتفاع معظم أسعار المواد والمنتجات. 2- ارتفاع معدلات الدخل لدى المشترين بشكل سريع ومستمر وهو ما يؤدي إلى استعداد المشتري إلى دفع مبالغ أكبر للحصول على نفس السلع وبالتالي يزيد من معدلات الطلب عليها بشكل عشوائي وهو غالبا ما يحدث عند الارتفاع الكبير في معدلات النمو غير المدروس لبعض الدول. 3- انخفاض قيمة عُملة الدولة وهو ما يؤدي إلى فقدان العملة المحلية قيمتها وبالتالي يجعلها غير قادرة على شراء نفس الكمية من السلع ولنا فيما حصل مؤخرا في كل من فنزويلا والسودان ولبنان أمثلة حيّة على هذه الحالة. 4- ارتفاع تكلفة الاستيراد في بعض الدول التي لا تملك الاكتفاء الذاتي لاحتياجاتها وهو ما يجعل عملية تأمين حاجات شعوبها أكثر كلفة عليها وبالتالي يؤدي إلى ارتفاع أسعار بعض المنتجات بها، وهو ما حدث بكوريا الشمالية مثلا بسبب فرض حالة العزلة الاقتصادية عليها حيث بلغ معدل التضخم بها حوالي 55% عام 2018. وأخيرا وبرأي الشخصي فإن التضخم وإن كان الصديق الدائم للنمو المستمر في الدول إلا أن أحد أهم أسبابه هو عدم قدرة الدول على تلبية احتياجات أسواقها الداخلية من مواردها ومُصنِّعيها المحليين وهو وإن كان شرا لا بد منه في ظل التزايد السريع والتنوع المستمر في حاجاتنا الإنسانية، إلا أنه حالة يمكن التحكم بها وهو ليس بالضرورة دليلا على تحسُّن جودة المنتجات، وهنا أتذكر مقولة الكاتبة الجزائرية أحلام مستغانمي «ارتفاع قيمة فاتورة المكالمات الهاتفية ليست بالتأكيد دليلا على ارتفاع قيمة الكلمة».