كانت منازل الأثرياء والوجهاء في الحارات والقرى والمناطق السكنية رغم أعدادها المتواضعة، حاضنة مهمة للسواد الأعظم من الفقراء والمحتاجين، خاصة في مناسبات رمضان والأعياد الدينية، حيث تتدفق من تلك الدور أموال الزكوات والصدقات والأعطيات والموائد و"إفطار صائم"، وغيرها من المعونات، مما يشكل مصدرا وموردا للمعوزين ومن هم في أمس المساعدة إلى العون والمساعدة، وفي إحدى الحارات القديمة قبل عقود من الزمن، بحسب ما سمعته من ذاكرة بعض المسنين كانت قصور أربع أسر تمد بيوت الفقراء بوجبتين من الغذاء في اليوم، فقد تكفل أصحابها بتحمل هذه المسؤولية الإنسانية النبيلة، هذا فضلا عن معالجة مشاكل السكان وتوفير الكثير من فرص العمل لهم على ضوء الاحتكاك والملامسة والزيارات اليومية والاحاطة الكاملة بظروف كل أسرة وأوضاعها المالية، وساهمت حياة التكافل والتعاون والشعور الإنساني المعبأ بقيم الرحمة والمودة والخير في تعميق الإحساس بالطمأنينة والراحة والاستقرار النفسي والتفاؤل فسكنت النفوس وهدأت وتوطدت العلاقات بين الناس. اليوم غابت هذه الخصيصة الحميدة عن المشهد بكل تجلياته في المناسبات أو في غيرها، وأصبحت قصور وفلل الأغنياء في مناطق خاصة بهم، وللفقراء أحياؤهم، وكذلك لمتوسطي الدخل، فكل حي سكني يعرف بأصحابه من حيث مستواهم المادي ومكانتهم الاجتماعية ونفوذهم ونوع وظائفهم... من خلال الموقع المخصص والخدمات المتوفرة وفخامة ومستوى المنازل ومظهرها الخارجي... وتحولت الفوارق إلى حواجز مانعة، فلا يعرف حتى الجار بمشاكل وهموم وحاجات وآلام جاره، ولا يشعر بها، والصدقات والزكوات رغم شحها تذهب إلى جمعيات خيرية ومؤسسات متخصصة، وتوزع على كل من بلغ صوته سمع الأغنياء والمساهمين في العمل الخيري، والكثير منها بسبب غياب الآليات التنظيمية، والانجرار خلف العاطفة دون ملامسة وتحقيق ونظر واحاطة بالمحتاج الحقيقي، تذهب إلى غير مستحقيها، بل وصاحبها الاحتيال والغش والنهب والسرقة... فتبدلت الأساليب والأنماط والمفاهيم وحدثت تحولات منعت وأعاقت وصول المساعدات والمعونات إلى الأشد حاجة من المعوزين وأصحاب الفاقة والدخول الصغيرة جدا، إلى جانب ذلك فإن ارتفاع الأسعار وضعف الدخول وزيادة نسبة الفقر وتضخم مظاهر المباهاة والمماراة والوجاهات والضغوطات الاجتماعية التي عمقتها وسائل التواصل كذلك، ساهمت في ارتفاع تكاليف المعيشة والجأت الملايين إلى القروض والتمويل من المصارف والمؤسسات المتخصصة بفوائد باهظة قادت الكثيرين إلى السجون والاصابة بأمراض نفسية والتمزق الأسري والانحراف والانهيار الجسدي... وترتفع بنود الصرف وتزيد متطلبات الأسرة في المناسبات الدينية والاجتماعية بشكل كبير، ويظل رب الأسرة ومعيلها في مجتمعاتنا يكدح ويكافح ويتحمل عبئا ومسؤوليات تتجاوز طاقته البشرية، هذا الواقع المؤلم بما يفرزه من انتكاسات وأضرار ومخاطر اجتماعية يتطلب من الحكومات وشركات القطاع الخاص والمؤسسات الخيرية والاعلام وشرائح المجتمع الغنية التكاتف والتنسيق والعمل بجد ومسؤولية للإسهام في التخفيف من معاناة الفقراء وأصحاب الدخل المتدني خاصة في المناسبات، برفع نسب المساعدات وضمان وصولها لمستحقيها، وتخصيص علاوات لها بالنسبة للعاملين بأجور منخفضة وبث التوعية التي تشجع على الادخار وتجنب الاستهلاك المفرط والتعافي من ثقافة المباهاة والتأثر بالآخرين....