وصية متقاعد

كل من امتطى صهوة جواده سوف يترجل عنه يومًا ما، حكمة قالها أحد الزملاء المتقاعدين والذي كان يومًا ما مسؤولًا في إحدى وزارات الدولة، جمعتني الصدفة به بعد سنين طويلة. عمره لا يتجاوز 55 عامًا ولكن ملامحه وتجاعيد وجهه ولحيته البيضاء يبدو وكأنه في العقد السابع من العمر. تحدث لي بمرارة عن عمله ووظيفته السابقة، وكيف بدأها وهو في عنفوان شبابه بأحلامه الواسعة وشهاداته المتنوعة، وكيف تركها وهو متهالك الجسد والأمل. كان يتحدث بحسرة وندم.. لقد تقاعدت مبكرا من عملي بعد أن أيقنت أن بيئة العمل لم تعد صالحة للعمل ولا تقدر الكفاءات بل تطردهم بعيدا، ليس لدينا معايير محددة للإنتاجية والكفاءات، فالمسؤول هو من يقرر من المنتج ومن المقصر حسب معاييره الخاصة. فالأمر كله يتوقف على طبيعة وشخصية المدير والمسؤول المباشر. فإن كان هو كفؤًا، منتجًا، يحب التطوير وعادلًا ومتعاونًا وراضيًا عنك فستكون في أحسن حال، حيث ستعمل بكل إخلاص وسيكون لك داعمًا وحافزًا على الإبداع والابتكار. أما إذا كان المدير غير ذلك ومن الذين تم تعيينهم بناء على اسمه الرباعي وليس بناء على إنتاجيته وكفاءته ومؤهلاته، فإن أصحاب المؤهلات والمخلصين سيكون الله في عونهم، فليس لديهم مكان في تلك المؤسسة غير الرحيل أو الانتظار إلى أن ينقل مديرهم إلى منصب آخر. والانتظار يعني مضيعة للوقت لأن الأمر قد يطول لسنين طويلة ستفقد خلالها قوتك العلمية والإدارية وسوف تهمش إلى أن ترفع الراية البيضاء وتقرر الرحيل، وهذا ما حصل بالفعل. فبعد كل هذا التفاني والإخلاص في العمل، خرجت صفر اليدين والرجلين مثقلا بهموم وأمراض وقد أقضي ما تبقى من عمري في التفكير في أسبابها ومعالجتها. كل ذلك كان بسبب اختلافي مع المدير في الرأي والرؤى، وحبي المفرط في العمل ورغبتي في الإنتاج، ومطالبتي دائما بأن تكون بيئة العمل خالية من الكراهية والتمييز والعلاقات الاجتماعية، وأن يحكمها قانون ومصلحة المؤسسة فقط. الآن لا أشعر بالندم على ترك الوظيفة أبدًا ولكنني نادم على العمل مع هكذا مدير ضعيف فنيًا وعلميًا لا مبالٍ متسلط يرفض أن يتحمل المسؤولية ويترك المهام والأعمال على مرءوسيه فهم من يتحملون الأخطاء والمشكلات الوظيفية. سألته إن كان راتبه التقاعدي يكفيه ويغطي التزاماته المالية؟ قال لدي راتب يكفيني كفرد وليس كعائلة. لقد أدركت الآن وبعد كل هذه السنين أنني أجهل معنى الادخار والاستثمار، فقد كنت متيقنًا أن الراتب التقاعدي سوف يلبي التزاماتي واحتياجاتي المالية ما بعد التقاعد. لدينا طاقات متعددة مع الأسف لم نستغلها أبدًا، اكتفينا بالوظيفة واستسلمنا لشهواتنا من الراحة والأكل واستنزاف الوقت والعمر والمال في أمور دنيوية تافهة فلم نثمن الوقت ولم نستغل الفرص، كنت أتفنن في استهلاك وضياع المال ولم أفكر في الغد.