منذ مقالي الأول الذي نشرته "لوسيل" في العاشر من فبراير 2020م، بعنوان «شبح كساد من حيث لم يحتسب الخبراء» وحتى الأخير الذي صدر يوم الإثنين الموافق الرابع من مايو، «تداعيات كورونا تتجاوز حالات الكساد خلال قرن مضى»، وبينهما تسعة مقالات جميعها وثقت سير الأحداث المتلاحقة والتطورات المتسارعة، واستعرضت المؤشرات والقراءات المتجددة للخسائر المالية الهائلة التي تسبب فيها كورونا، وتتبعت السياسات والقرارات التي اتخذت لتلافي الكساد الاقتصادي وإنقاذ ما يمكن إنقاذه بالتحفيز وضخ السيولة النقدية وتقديم التسهيلات البنكية ودعم الشركات وتحمل جزء أو كل من تكلفة خدمات الكهرباء والماء ورواتب المسرحين والمتضررين لفترة محددة من الأشهر. وعلى إثر كل مقال أبعثه إلى «لوسيل» أسائل نفسي هل سيكون الأخير ضمن السلسلة المنشورة التي تتناول تأثيرات كورونا الاقتصادية؟ فالاستنزاف بلغ المدى، وآن للعالم أن يتعافى، والوباء أن ينحسر، والحياة أن تعود لمجاريها الطبيعية، فالإنسان لا يستطيع أن يعتزل عمله، ويهمل مشاريعه ويتوقف عن ممارسة تجارته والقيام بواجبات وظيفته ومسؤولياته في ميادين وحقول العمل المختلفة، والمطارات والمشاريع الحيوية أن تعلق، وإلا انهار الاقتصاد وتوقف الدخل وتعطلت الحياة، وسوف يموت البشر من الجوع والكبت وفقدان الحرية والكآبة قبل أن يقتلهم كورونا. فتمضي الأسابيع الواحد تلو الآخر دون انفراج واضح، والجائحة تحدث المزيد من الفوضى والهلع والرعب بين الناس، والاقتصاد تتراكم خسائره في معظم قطاعاته، والعالم المتقدم بدا هشا ضعيفا غير قادر على وقف تفشي هذا الفيروس الشرس، والحكومات تعيش أياما عصيبة، مقيدة بين خيارين لا ثالث لهما، مطرقة إصابة مجتمعاتها بكورونا في مقابل إنقاذ اقتصاداتها، أو سنديان الانهيار الاقتصادي كضريبة لحماية المواطنين من الوباء وضمان سلامة المؤسسات الصحية وقدرتها على الاستمرار في تقديم العلاج، وكلما ارتفعت أعداد المصابين وظلت الإحصائيات اليومية تسجل المزيد من الوفيات بفيروس كورونا، تصاعدت وتيرة الأسئلة الجدلية، بأي الخيارين نأخذ وكلاهما مر، والمسؤوليات جسيمة والخسائر فادحة والدول العظمى في حيرة من أمرها فكيف بالصغيرة منها، دول ثابتة على موقفها بمواصلة تعطيل وإغلاق الرحلات الجوية والحدود والأسواق والأماكن العامة ومواقع العبادة والعزل المجتمعي، والتكلفة كبيرة والآثار والأضرار تتلاحق وتتعمق. وأخرى بدأت بفتح أسواقها وأنشطتها وإعادة الحياة إلى مدنها ومؤسساتها، وسوف تحتاج إلى عدة أسابيع لتتبين آثار قراراتها، وثالثة أخذت بمبدأ التدرج في استعادة أوضاعها السابقة مع محاذير وآليات تقلل من الاختلاط. حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، انحاز إلى سلامة الإنسان باعتباره أساس التنمية ومرتكزها والحرص البالغ على حمايته من مخاطر كورونا «لقد كان واضحاً بالنسبة لنا أن الحالة استثنائية ومختلفة عما شهده العالم المعاصر من أوبئة، وأن الحفاظ على حياة الناس يتطلب تطبيق الإجراءات الصارمة التي اتخذناها من تعليق التعليم في المدارس والجامعات، وتقليل الاختلاط في الأماكن العامة وإغلاق المجمعات التجارية ومراكز الترفيه والحدائق والمرافق العامة، وتقليص عدد العاملين المتواجدين في المؤسسات الحكومية والخاصة، وتقليص ساعات العمل، وغيرها». وفي المقابل لم يتجاهل أو يقلل من قيمة الاقتصاد، فأصدر تعليماته العاجلة بالعمل على تخصيص «مبالغ كبيرة لمواجهة الوباء وليعبر اقتصادنا المرحلة الحرجة بسلام»، وتقديم «حزمة من المحفزات المالية والاقتصادية للقطاع الخاص». بتعاون وتضافر دول العالم، والعمل الجاد المنسق، وتبادل الخبرات يمكن للعالم أن يعبر الأزمة بسلام.