فصل وتحييد الاقتصاد عن السياسة أمر محمود الأفكار النهضوية والكيانات السياسية والمشاريع الاقتصادية العربية التي تشكلت وظهرت وقدمت خلال الستين عاما الفائتة ابتداء من الجامعة العربية مرورا باتحاد المغرب العربي الذي تأسس في فبراير 1989م، وتألف من (ليبيا – تونس – الجزائر – المغرب وموريتانيا)، وكان من المتوقع أن يحقق الاكتفاء الذاتي لهذه الدول في كل حاجياتها فيما لو تم تفعيله. ومجلس التعاون العربي الذي انطلق من غرائب الصدف في ذات الشهر والسنة التي تأسس فيها اتحاد المغرب العربي، وما رافقتها من خطط وبرامج واتفاقيات ورؤى اقتصادية على المستوى العربي أو الاقليمي من مثل (السوق العربية المشتركة – مشروع الاتحاد الجمركي – بورصة عربية مشتركة وعقد قمة عربية اقتصادية ...)، أملا في أن تحقق القمة الاقتصادية الأهداف والغايات التي فشلت فيها القمم السياسية، لكنها باءت بالفشل وانتهت إلى لا شيء، وحرمت الشعوب العربية من النهوض من براثن التخلف والجهل والفقر وتحقيق التقدم والازدهار والرخاء واللحاق بالشعوب الأخرى ... وظل مجلس التعاون الخليجي الذي تم الإعلان عنه في 25 مايو 1981 بالاجتماع المنعقد في الرياض بالمملكة العربية السعودية نموذجا من بين كل تلك المشاريع والكيانات الذي ما زال قائما على مدى ثلاثة عقود ونصف العقد، يحقق نجاحات وتقدما في مجالات وقطاعات معينة كالقطاع الرياضي والمجالات الأمنية والعمل البرلماني على سبيل المثال، ويشهد بطئا ومعوقات في مجالات أخرى وبالأخص في المشاريع الاقتصادية، ومن الأمثلة على تلك المشاريع التي إما أنها تراوح مكانها أو تشهد تحديات أو يتأخر تنفيذها أو ما تزال نتائجها دون الطموح التكامل الاقتصادي الخليجي – السوق الخليجية المشتركة – العملة الخليجية الموحدة المزمع اطلاقها في 2010 - القطار الخليجي – شبكة نقل الغاز الطبيعي والربط الكهربائي، الذي استكمل أعماله بانضمام سلطنة عُمان إلى هيئة الربط الكهربائي بتاريخ 20 نوفمبر 2014 ...، ويعد هذا الأخير نموذجا على النجاح ومحفزا على المضي قدما في تنفيذ المشاريع الأخرى خاصة في ظل الأوضاع الاقتصادية التي تمر بها دول مجلس التعاون في ظل التراجعات الحادة في أسعار النفط. إن المشاريع الخليجية - الخليجية المشتركة ما تزال للأسف وفقا للأرقام المنشورة متواضعة مقارنة بالمشاريع الخليجية - الأجنبية المشتركة، كما أن أغلبها مشاريع تعتمد على (النفط والغاز ومشتقاتهما مما يظل مصيرها مرتبطًا بالنفط). وبالعودة إلى موضوع المقال (الخلافات السياسية تفسد المصالح الاقتصادية)، فلا أحد ينكر بروز الكثير من التباينات السياسية بين دول المجلس واختلافات الرؤى في التعامل مع ملفات وقضايا سياسية عديدة خاصة خلال السنوات الثلاث الأخيرة يأتي من أهمها التعامل مع الأوضاع في كل من (مصر – ليبيا – سوريا – اليمن وإيران)، ولا يمكن تجاهل أن الخلافات السياسية في عالمنا العربي تفسد المصالح الاقتصادية وتؤدي إلى فشل الكثير من الفرص، وبأن الانطباعات الشخصية والعواطف ما زالت تتحكم في القرارات التي تتخذها الانظمة العربية، فيما دول وتكتلات وشعوب على مساحة الخارطة التي يتشكل منها عالمنا المتقدم تجاوزت هذه الثقافة وباتت المصالح الاقتصادية هي التي ترسم العمل السياسي وتوجه مساراته لتعظيم منافع الاقتصاد، وما يقلق المواطن في دول مجلس التعاون أن تؤثر التباينات السياسية بين نظمها الحاكمة على المشاريع الاقتصادية المشتركة، وأن يفضي الارهاق في التعامل مع الملفات المشار إليها إلى قرارات متسرعة توقف أو تؤخر المشاريع والاتفاقيات المطروحة فتهدر الفرص الاستثمارية والمبادلات التجارية التي يتطلع المواطن الخليجي إلى نموها وتسارع نشاطها وتعظيم منافعها. إن فصل وتحييد الاقتصاد عن السياسة أمر محمود في وقت تعمل فيه الأنظمة السياسية في العالم المتقدم على تعزيز موارد الأول وتحقيق نسب متسارعة في النمو.