الضرائب.. تناقض جميل

لا يوجد أي شيء بالمجان، جملة يرددها سكان هذا العالم يومياً، جملة تحمل بين حروفها مفهوماً اقتصادياً شاملاً يشرح للكثيرين تفاصيل المعاملات اليومية بين الأفراد والشعوب. تاريخياً ومنذ نشأة المجتمعات البشرية كانت القبيلة بشكلها البسيط المكون من رئيس وأفراد بحاجة إلى تأمين الدفاع والحماية وهو ما جعل رئيس القبيلة يجمع الخدمات والأموال ليستخدمها لاحقاً للدفاع عنها وحمايتها، ومع ظهور مفهوم الدولة ونمو حاجات الأفراد كان لابد من توفير الخدمات المختلفة لهم وهو ما جعل الدول تعتمد وبشكل أساسي على شعوبها لتأمين هذه الاحتياجات وهو ما تطور لاحقاً وعُرِف بالنظام الضريبي، فبرغم الفرق العام فإن الدول مثل المؤسسات تحتاج إلى مصادر دخل وإيرادات مختلفة لتمويل نفقاتها ومصاريفها، وهنا يظهر السؤال المهم، فما هي الضرائب؟ وما هو الهدف منها؟ وما هي خصائصها؟. من الناحية العامة الضرائب هي فريضة إلزامية وليست عقابية يلتزم المكلفون الطبيعيون أو المعنويون على أساسها بتحويل بعض الموارد الخاصة بهم للدولة بصفة نهائية وبدون مقابل لتحقيق ما تسعى إليه هذه الدولة من أهداف طبقاً لقواعد ومعايير محددة، ومن الناحية المالية، فالضرائب هي مبلغ معين من المال يدفعه المكلفون إلى السلطات العامة (الدولة أو السلطة المحلية) بصورة إلزامية ونهائية، دون مقابل مباشر، وذلك بهدف تغطيـة ما يترتب على هذه السلطات من نفقات عامة مثل الصحة والتعليم، وبالتالي فإنه وبشكل بسيط يمكن تعريف الضرائب بأنها المبالغ التي يدفعها المكلفون للدولة بهدف تمويلها لتغطية نفقات الخدمات العامة التي تقدمها هذه الدولة لشعوبها. أما بالحديث عن أهداف الضرائب فإنه يمكن تلخيصها بما يلي:  الهدف الأساسي للضريبة هو الهدف المالي، حيث تعمل الضريبة على تأمين الإيرادات المالية لخزينة الدولة من أجل تغطية النفقات المترتبة عليها، مثل نفقات صيانة الطرقات وتأمين أجور ورواتب الموظفين الحكوميين، بالإضافة لتكاليف الصحة والتعليم وغيرها من النفقات. لاحقاً ومع تطور بيئة الأعمال ومع التعقيدات الاقتصادية الحديثة، فقد تطورت أيضاً فكرة الضريبة واستخداماتها، وهو ما جعلها تُحقِّق هدفاً اقتصادياً مهماً كونها أداة من أدوات السياسة المالية التي تستخدمها الدولة من أجل تحفيز النمو والحدّ من مستويات التضخم، أو حتى حماية المنتجات والصناعات المحلّية، مثلا عن طريق الضرائب المفروضة على الواردات والمنتجات الأجنبية المُنافسة للسلع المُنتجة محليا، بالإضافة لغيرها من الأهداف والتوجيهات، كذلك فإن للضريبة دوراً اجتماعياً أساسياً في تحقيق الاستقرار الاجتماعي، حيث تساعد في تأمين الخدمات العامة للمجتمع بتكلفة أقل، وهو ما يُعيد توزيع الدخل بين طبقات المجتمع في كثير من الأحيان، بل ويعطي الفرصة للطبقة الأقل ثراء للاستفادة من الخدمات الأساسية التي تقدمها الدولة لهم. بمراجعة كل ما سبق وبالتوقف عند تفاصيل الضرائب فإنه يمكننا تلخيص أهم خصائص الضرائب بما يلي:  الضريبة هي اقتطاع مالي يتم دفعه للدولة في الغالب في صورة نقدية، حيث لا يجوز أداؤها في صورة خدمات شخصية أو عينية. الضريبة هي قيمة إلزامية نهائية وغير قابلة للاسترداد ُتفرض وتُحصّل من قِبل الدولة بموجب قانون أو مرسوم رسمي ودون مقابل مباشر، وبالتالي فهي ليست عقابية بل هي تكليف يتم دفعه في حال توافر شروط معينة في المُكلف بها. الضريبة يجب ألا تقدّم منفعة شخصية أو فائدة خاصّة للأفراد بصفةٍ فرديّة، ولكنّ المنفعة والفائدة التي تحقّقها يجب أن تكون عامّة ومتوفرة لكافّة أفراد المجتمع. وأخيراً وبرأيي الشخصي فإن الضريبة هي ضرورة أساسية يدفعها المكلفون بها للحصول على خدمات عامة تقدمها الدولة لهم، وبالتالي فهي الثمن الذي يتكبده الأفراد للحصول على منتجات المدنِيّة والحضارة الحديثة، وهي وإن كانت مُرهقة في بعض الأحيان إلا أنها وبلا شك أقل بكثير مما يحصل عليه الفرد من مزايا، أما نجاحها في تحقيق أهدافها فهو مقرون بالعدل والشفافية والتخطيط الصحيح والمدروس لحاجات الناس الحقيقية، فالضرائب إن فُرِضت وحُصّلت بشكل صحيح ستكون بلا شك أداة أساسية لمواكبة التطور والنمو للدول، ولنا في خدمات الدول المُتقدمة لساكنيها الذين تفرض عليهم أنظمة ضريبية قد تكون الأعلى في العالم خير مثال على ذلك. وهنا أتذكر مقولة "آدم سميث" وهو الفيلسوف والاقتصادي الشهير الذي يُعدّ مؤسس علم الاقتصاد الكلاسيكي في العالم حين قال "إن رعايا أي دولة يجب عليهم أن يسهموا في دعم الحكومة بما يتناسب قدر الإمكان مع قدرات كلٍّ منهم".