لبنان.. مساعدات الإغاثة لا تكفي

عقب انفجار ميناء بيروت تحركت العديد من الدول بتقديم المساعدات الإغاثية، ما بين مواد طبية وأدوية ومواد غذائية وسيارات إسعاف ووقود وخيام وأطباء وفرق إنقاذ، وتلاها تعهدات للمانحين، بتقديم مساعدات إغاثة فورية بقيمة 298 مليون دولار غير مشروطة بإصلاحات سياسية أو مؤسسية. لكن لبنان قبل الانفجار الذي شرد أكثر من ربع مليون شخص وتسبب بتعطل الميناء الرئيسي للبلاد، كان بحاجة لأكثر من 20 مليار دولار، لمواجهة الاحتياجات العاجلة بسبب العجز الكبير بميزان المعاملات الجارية، الذي بلغت نسبة العجز به للناتج الإجمالي المحلي 28.2%، وسداد الالتزامات التي حل موعدها مع بلوغ نسبة الدين العام للناتج المحلي الإجمالي 157.8%، ومساندة سعر صرف الليرة الذي زادت الهوة كثيرا بين سعرها الرسمي وسعرها بالسوق الموازية. وكان يمكن تخفيف حدة الأزمة قبل الانفجار بحصول لبنان على جزء من تعهدات المانحين له بنحو 11 مليار دولار بمؤتمر سيدر لدعم لبنان عام 2018، لكن المانحين لا يفضلون مساعدة حكومة يهيمن حزب الله الموالي لإيران عليها، مما دفع لبنان للجوء لصندوق النقد الدولي للحصول على قرض كبير، لكن الهيمنة الأمريكية على القرار بالصندوق لن تسمح بذلك حاليا. بالإضافة لمطالب الصندوق التي أصبحت الاستجابة لبعضها جماهيرها أمر بالغ الصعوبة بعد تظاهرات أكتوبر الماضي، وتجددها بعد انفجار ميناء بيروت، والتي أشار إليها بيان خبراء الصندوق بختام بعثة مشاورات المادة الرابعة لعام 2019، بالمطالبة بزيادة بمعدلات ضريبة القيمة المضافة وبرسوم المحروقات، وتوسيع قاعدة ضريبة القيمة المضافة من خلال إلغاء الإعفاءات لبعض السلع. وإلغاء دعم الكهرباء وزيادة التعريفة رغم شكوى اللبنانيين من ارتفاع فاتورة الكهرباء التي يتواصل مسلسل انقطاعها، والمطالبة بالتحول من استخدام الوقود في إنتاج الكهرباء إلى الغاز الطبيعي، وإقرار قانون جديد للجمارك ولوائح منظمة لتصفية النشاط التجاري وقانون للإفلاس وإصدار قانون جديد للمشتريات العامة. ومواصلة إجراءات مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب. ورغم تقدم ثلاثة من الوزراء باستقالتهم وكذلك ستة من النواب ومناداة رئيس الوزراء حسن دياب بانتخابات برلمانية جديدة، إلا أن تغيير الوزارة في حالة تغييرها سيستغرق بعض الوقت في ظل مجتمع به 18 طائفة ومذهبا، كذلك يحتاج تغيير البرلمان لبعض الوقت، بينما حالة الاقتصاد تتسارع بالتدهور حتى قبل ظهور تداعيات فيروس كورونا وانفجار الميناء. حيث ظل ميزان المعاملات الجارية اللبناني منذ عدة سنوات يعاني من عجز كبير، نتيجة العجز الضخم بالميزان التجاري السلعي، رغم وجود فائض قليل بميزان التجارة الخدمية وبسبب تحويلات اللبنانيين بالخارج والمعونات الخارجية، ومن هناك كانت سياسة حاكم مصرف لبنان تشجيع ودائع اللبنانيين بالخارج، لتكوين احتياطيات من العملات الأجنبية تساند ثبات سعر الصرف القائم منذ أكثر من عشرين عاما، وقيام المصارف بشراء أدوات الدين الحكومي. لكنه في ظل ظهور السوق الموازية لصرف الدولار والقيود على حركة الودائع لخارج البلاد، قلت الودائع وزادت صعوبة مهمة المصرف بما يجعله بحاجة لضخ دولاري كبير مثلما حدث بمؤتمري باريس 1و2 عام 2001 وباريس 3 عام 2007، أو قيام دول خليجية بضخ ودائع لفترة به أو صرف جزء من مقررات مؤتمر سيدر. ولن تكف المعونات الخارجية لحل المأزق والتي بلغت 1.42 مليار دولار عام 2018، كأعلى رقم بالسنوات العشر الأخيرة، لكنها لم تمثل سوى نسبة 2.6% من الدخل القومي، مما يعني الحاجة لزيادة الصادرات وتقليل الواردات كما حدث بالعام الماضي، والسعي لإعادة الاستقرار كي تعود السياحة والصادرات الخدمية والاستثمارات والمحافظ المالية الأجنبية، وودائع اللبنانيين بالخارج للتغلب على التصنيف المتدنى للبلاد.