الزلزال اللبناني حصل! ما المطلوب من المجتمع اللبناني؟ استمرار الترميم والبناء ضمن الإمكانيات البشرية والمادية. المساعدات الخارجية في غاية الأهمية ولا بد من شكر المانحين. ما حصل لا يجب أن يؤخر عودة الحياة "الطبيعية"، أي أن تعود المدارس والجامعات إلى عملها الطبيعي مع بداية السنة الدراسية ضمن السلامة الصحية، كما نتمنى أن نرى المغتربين والزوار حتى نهاية الصيف. من ناحية القطاع العام، لا بد من الاستمرار بالقيام بالواجب وعدم خنق البلد بالتقشف واللامبالاة. المطلوب الإسراع في تنفيذ الترميم مع التنبه إلى الترشيد الإنفاقي في الدعم إذ أننا غير قادرين على الاستمرار في الهدر. تأجيل تسديد الرسوم والضرائب هو من الأولويات، بل إلغاء بعضها هذه السنة فيما يخص الآليات والنقل يتطلب شجاعة القرار. تخفيف بعض الإنفاق غير المجدي من استعراضات ومظاهر واحتفالات، يعوض جزئيا عن الضرائب والرسوم غير المحصلة. إدارة الكوارث والزلازل ممكنة وتتطلب كفاءات ووعياً. يجب أن ننسى في لبنان مؤقتا الأسواق الحرة. أعطت الازدهار والنمو، لكن في نفس الوقت أنتجت فجوة كبيرة في الدخل والثروة. أنتجت أيضا قطاعا عاما فاسدا وضعيفا ساهم في إحداث الكوارث، وإن لم تكن في حجم زلزال بيروت. يجب أن نتحلى كلبنانيين بالواقعية والوضوح، لأن الظروف الاستثنائية تتطلب تفكيرا مناسبا وكفاءات كالتي تحلى بها ديغول وتشرشل أيام الحرب. يجب أن نتواضع في لبنان ولا ندعي معرفة كل شيء، ونتذكر ما قاله سقراط "الإنسان الحكيم هو الذي يعرف أنه لا يعرف شيئا". فلنكنْ سقراطيين. مع الزلزال ونتائجه، سنعيش في لبنان في فترة ندرة Scarcity أي ما نستطيع الحصول عليه أقل مما نرغب به. لا يقتصر الموضوع على الطعام وإنما على كل شيء من صحة وبيئة وتعليم وبنية تحتية. علم الاقتصاد يرتكز على "الندرة" والمناهج التعليمية تفسرها للأطفال. فترة الندرة ستكون طويلة ومن الممكن أن ينتج عنها أداء أفضل من القطاعين العام والخاص. الندرة مزعجة وتسبب الغضب خاصة في مجتمع تعود على البحبوحة ويحب المظاهر ومستعد للاستدانة للاستهلاك. حتى في الظروف العادية، الندرة في الطعام لأسباب صحية أو مادية تسبب القلق وتؤثر على الأعصاب قبل العقل. الندرة صعبة لكن يمكن أن تكون فرصة للتغيير المنطقي. تؤثر الندرة على تصرفاتنا، ويمكن أن ترفع إنتاجيتنا لأننا نحاول عندها ترشيد إنفاقنا وتخفيف الوقت الضائع. جميعنا أنتج الكثير عندما وضعنا أمام تقشف الوقت deadline. في لبنان خاصة، نضيع الكثير من الوقت إذا لم يكن لنا موعد محدد صارم لتقديم الإنتاج. لكن التركيز على المواعيد الصارمة يمكن أن يضر بأمور أخرى مهمة، كأن يهمل الإنسان عائلته لإنهاء كتاب أو عمل. هذا غير منطقي، لكنه واقعي ويحصل في أكثر المجتمعات تطورا. الزلزال حصل والأضرار كبيرة، ونتضرر أكثر إذا ركزنا على الخسائر فقط. التفكير بالندرة والعمل الجدي على المواجهة والتفكير بالمستقبل يمكن أن ينقلانا إلى ظروف أفضل.