العقوبة تخفيف في سلطة المحكمة

من القواعد القانونية المقررة في مجال الدعاوى الجنائية أنه لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص، بمعنى أن القاضي عند الحكم على المتهم بعقوبة معينة، فهو لا يستمد تلك العقوبة من سلطته أو تقديره الخاص، بل إن المشرع حدد له بموجب نص قانوني العقوبات الواجب الحكم بها عندما يتعلق الأمر بجريمة معينة، لكن ذلك لا يعني تغييب دور القاضي في اختيار العقوبة المناسبة للجريمة المعروضة على أنظاره، لأنه حتى ولو تعلق الأمر بارتكاب جريمة واحدة، فإن ظروف كل متهم عند ارتكابها تختلف عن ظروف الآخر، وملابسات الفعل الجرمي والنتائج المترتبة عنه تتباين أيضا من دعوى لأخرى. لذلك يسمح القانون للمحكمة أن تقضي على المتهم بالعقوبة التي تراها مناسبة لكل حالة على حدة، ولها أن تنزل عن الحد المقرر لعقوبة الجريمة أو تقضي بأزيد من ذلك. يحق للقاضي إذا رأى أن ملابسات الدعوى المعروضة عليه تحتمل التعامل بالرأفة أن يحكم على المتهم بعقوبة مخففة تكون إما أقل من الحد الأقصى للعقوبة المنصوص عليها قانونا أو أقل من الحد الأدنى المقرر، لكن ذلك مرتبط بما ينص عليه القانون، أي أن القاضي له سلطة تقدير العقوبة لكن بحسب الشروط التي حددها المشرع، وذلك ما أكدته المادة 91 من قانون العقوبات التي جاء فيها ما يلي: "يبين القانون الأعذار المعفية من العقاب والمخففة له"، بمعنى أن الحكم بعقوبة مخففة ليس موكولا للقاضي على هواه، بل يحكمه في ذلك ما حددته نصوص القانون. وهكذا، فإذا تعلق الأمر بجناية، ورأت المحكمة أن المتهم يستحق المعاملة بمبدأ الرأفة، واقتنعت بالحكم عليه بعقوبة مخففة جاز لها في الجناية التي يكون الحكم المقرر لها هو الإعدام أن تنزل بها إلى عقوبة الحبس المؤبد أو الحبس الذي لا تقل مدته عن خمس سنوات، وإذا تعلق الأمر بجناية معاقب عليها بالحبس المؤبد جاز الحكم بالحبس الذي لا تقل مدته عن ثلاث سنوات. أما بالنسبة للجناية التي يعاقب عليها بالحبس الذي لا يزيد على عشرين سنة جاز الحكم بالحبس الذي لا تقل مدته عن سنة. وإذا كان المتهم المعروض أمام أنظار القضاء يستحق التعامل بمبدأ الرأفة والرحمة، وكانت الجريمة المسندة إليه تعتبر في نظر القانون جنحة يعاقب عليها القانون بالحبس والغرامة معا وجوبا، جاز لها أن تحكم بإحدى العقوبتين فقط إما الغرامة أو الحبس، وإذا كانت التهمة تعتبر جنحة ينص القانون على حد أدنى للعقوبة المقررة لها جاز للقاضي في هذه الحالة النزول عن ذلك الحد الأدنى المقرر، مثل أن تكون الجنحة معاقبا عليها بالحبس الذي لا تقل مدته عن سنتين، ففي هذه الحالة إذا قررت المحكمة تخفيف العقوبة على المتهم جاز لها أن تحكم عليه بالحبس لمدة أقل من سنتين. أما إذا كانت الجنحة المنظورة أمام المحكمة ينص القانون على ألا تزيد عقوبتها على حد معين، ولم يضع لها حدا أدنى للعقوبة، كان بإمكان القاضي إذا قرر إعمال مبدأ الرأفة أن يحكم بدلا من ذلك بعقوبة غير عقوبة الحبس وهي الغرامة المالية التي لا يزيد قدرها عن خمسة آلاف ريال. والملاحظ أن المشرع كان حكيما عندما تعامل بمرونة مع تقدير العقوبات في حق المحكوم عليهم، لأن ملابسات وظروف ارتكاب كل جريمة تختلف من شخص لآخر، لكنه في نفس الوقت كان حاسما بشأن بعض الجرائم التي منع التعامل معها بمبدأ الرحمة، وفرض عدم جواز تخفيف العقوبات بشأنها، مثل الجرائم الإرهابية.