حربٌ روسية اوكرانية تتقاطع فيها الاعلام والاسماء لتمتد خارطتها فتصل الى جميع انحاء أوروبا والعالم مرورا بكل من المانيا، فرنسا والولايات المتحدة الامريكية، شرارة صغيرة وحديث عن نِيَّة بالانضمام لحلف الناتو، كلمات قليلة كانت وحدها كافية لفتح أبواب من النار والحِمم على قارة بأكملها باتت تحترق يوميا بنار الغلاء والتضخم، والخوف من شتاء قارص الملامِح قادما من خلف البحار ليدق أبواب الأوروبيين ويدُق معها ناقوس الخطر والغلاء الغير مسبوق، أيام واسابيع من الصدِّ والردّ في ساحة المعركة باتت كافية لإقناع العالم بأن هذه الحرب لم تبدأ لتنتهي بهذه السُرعة بل حتى بأنها حرب لن تنتهي الا بتغيير او تعديل على خارطة الكرة الأرضية الجغرافيِّة والسياسية وحتى المالية منها والاقتصادية، أزمات متلاحقة تسبّبت بها هذه الحرب كانت بدايتها بارتفاع أسعار الطاقة وامتدت سريعا نحو التضخم الكبير في قيمة البضائع المواد الغذائية ولم تنته عند ما وصلت اليه اليوم من تهديد حقيقي لقارة بأكملها بعدم القُدرة على توفير وسائل التدفئة الكافية لشعوبها في شتاء باتت قاب قوسين او ادنى من الوصول، زعماء ورؤساء دول كُبرى في قارة عجوز أصبح اليوم شُغلُهم الشاغل هو إيجاد أي من الإجراءات المُمكن اتِّباعها لتوفير الطاقة والأموال، فمنهم من تحدث بالترشيد ومنهم من دعا شعبه للتأهب والاستعداد لايام صعبة، وفي خِضم هذه الفوضى العارمة وفجأة ودون سابق انذار سمعنا عن قرار جديد قررت على اثره روسيا ضم اربع مناطق جديدة (كانت تابعة لاوكرانيا) لتصبح مناطق ومقاطعات تابعة لها، وتلك المناطق هي: "دونيتسك"و "لوغانسك" شرقا و "زابوروجيا" و "خيرسون" جنوبا لتُصبح هذه المناطق وِفق الكرملين جزءا لا يتجزأ من أراضي روسيا الاتحادية بعد ان كانت فيما سبق جزءا أساسيا ومُهما من دولة أوكرانيا، وهنا يأتي السؤال المُهم، فما هي هذه المناطق؟ وما هي اهم ثرواتها وميزاتها الطبيعية؟ وما هي أهميتها الاقتصادية ليقوم القيصر الروسي بمواجهة العالم وتهديده بحرب نووية بعد ضمه لها؟ أولا وقبل كل شيء فإنه يجب التعرف على المناطق او المقاطعات الأربع وهي كما يلي: دونيتسك: وهي منطقة تقع في جنوب شرق أوكرانيا في حوض نهر الدونيتس وتُعتبر من أكبر مدن أوكرانيا من حيث تعداد السكان حيث يبلغ عدد سكانها حوالي 4.2 مليون نسمة، وتزيد مساحتها عن 26،500 كيلومتر مربع وهو ما يعادل 4.4% من مساحة أوكرانيا الاجمالية، وقد اشتهرت هذه المدينة الحديثة بأنها تضم رابع اكبر حقل فحم في أوروبا وأكبر مناجم الفحم الحجري والحديد والصلب في أوكرانيا، وبالإضافة إلى دورها الحيوي في المجال الصناعي حيث تُشكِّل منتجاتها حوالي 20% من منتجات أوكرانيا الصناعية فإنها أيضا تلعب دورا مهما في الرياضة وذلك عبر نادي " شاختار دونيتسك" صاحب أحد أهم وأكبر الملاعب في أوروبا، أما من حيث طرق ووسائل النقل فإن ميناء "مريوبل" الواقع على بحر "اوزوف "بالإضافة الى المطار الحديث ومحطة القطار ذات السرعة الفائقة يمثلون مجتمعين عصب الانتقال والتواصل لهذه المنطقة. لوغانسك: وهي منطقة تقع شرق أوكرانيا بالقرب من الحدود مع روسيا، وتبلغ مساحتها حوالي 26،600 كيلومتر مربع أي حوالي 4.42% من مساحة أوكرانيا ويُقدّر عدد سكانها بحوالي 2.2 مليون نسمة، وتشتهر هذه المنطقة بالصناعات الزراعية وبصناعة المعادن والآلات بالإضافة الى دورها الرائد في الصناعات الكيميائية والدوائية وغيرها من صناعات التعدين. زابوروجيا: وهي منطقة تقع في جنوبي وسط أوكرانيا على ضفاف نهر "الدنيبر"، وهي منطقة مأهولة منذ حوالي 3000 سنة، ويعيش بها عدد سكان يقترب من 1.8 مليون نسمة، وتمتد على مساحة 27،2 الف كيلومتر مربع وتُعتبر هذه المنطقة مركزاً صناعياً هاماً تزدهر فيها صناعات المعادن الحديدية وغير الحديدية مثل الكيماويات ومواد البناء، وفيها العديد من المؤسسات الصناعية الكبيرة بالإضافة لكونها تُنتِج حوالي 25% من كهرباء أوكرانيا، ناهيك عن الموضوع الأهم وهو انها تضم بين أراضيها محطة الطاقة النووية الأوكرانية الأبرز والتي تُعتبر اكبر منشأة نووية في أوروبا. خيرسون: وهي مدينة تقع جنوب أوكرانيا وتحتوي على ميناء هام جدا على "البحر الأسود" ونهر "دنييبر"، وهي تُشكِّل مركزاً هاماً لصناعة وبناء السفن، هذا ويبلغ عدد سكانها حوالي مليون نسمة يعيشون على مساحة 28،4 ألف كيلو متر مربع وهي مركز مهم للصناعات والمنتجات الزراعية بالإضافة لغيرها من الأنشطة والاعمال. وبنظرة سريعة فان بعض الإحصاءات تتحدث عن ان 70% من خيرات أوكرانيا الطبيعية تقع في هذه المناطق بالإضافة الى مساحة هذه الأقاليم الشاسعة والتي تُشكل حوالي 15% من مساحة أوكرانيا بالإضافة لحقول زراعية واسعة ومناجم ضخمة للفحم، ناهيك عن المصانع والموانئ الاستراتيجية والمنشآت الحيوية والتي يأتي على رأسها المنشأة النووية الشهيرة، ولا ننسى الثروة الأولى والاهم وهي الثروة البشرية حيث تضم هذه الأقاليم ما يزيد عن 9 مليون شخص قد يصبحون فيما بعد تحت إدارة وحكم روسيا. واخيرا وليس آخرا فإنه وبرأيي الشخصي فإن المناطق الأربع هي شريان أوكرانيا الحيوي وعصب اعمالها وخيراتها الطبيعية وبالتالي فان ضمها الى روسيا قد يزيد في الفترات القادمة من قوة روسيا الاقتصادية بل وقد يُفاقم من الضغط الكبير الذي تواجهه بعض المواد الغذائية والصناعية في القارة العجوز، وهو ما قد يحمل بين ثناياه انتقال مرحلة المواجهة الروسية الغربية الى مستواها الثاني، وهنا أتذكر مقولة الجنرال والمؤرخ " كارل كلاوزفيتز" حين وصف الحرب قائلا " الحرب هي استمرار للسياسة ولكن بوسائل أخرى ".