عدوى السترات الصفر

ما يجري في فرنسا منذ مدة مقلق ويمكن أن يمتد إلى دول أوروبية أخرى وربما خارج أوروبا. يظهر أن التواصل بين الناقمين والحكومة الفرنسية، وأهم من ذلك بينهم وبين الرئيس ماكرون متعثر وربما مقطوع عمليا. لا تكمن المشكلة في محتوى الاعتراضات على الرأسمالية ونتائجها وإنما في طرق التعبير العنيفة. في دولة تسمح للمواطن بالتعبير بحرية عن أفكاره في الإعلام والسياسة والاقتراع، من المدهش أن يتم التعبير بهذا العنف الغاضب ليس فقط تجاه الأملاك العامة وإنما خاصة تجاه «عرق الجبين» أي الأملاك الخاصة. من قال لهم إن أصحاب السيارات والمحال والمتاجر هم من الأغنياء. في دولة يبلغ دخلها الفردي حوالي 40 ألف دولار سنويا أي من الأعلى عالميا نجد هذا العدد من الغاضبين المحتجين أو الرافضين لكل شيء. هل الرفض هو للنتائج الاقتصادية أم للنظام الديمقراطي البرلماني؟ أخطأ ماكرون عندما قال إنه من غير المقبول للفرنسي أن يحتج لأن أوضاعه أفضل بكثير من غيره، إذ هذا الحق مقدس وليس للرئيس أن يوقفه. لكن في الوقت نفسه هل البدائل التي يريدها هؤلاء الثوار ستكون أفضل في النوعية والكمية؟ في كل حال حرية التعبير مقدسة في الدساتير والأديان والأعراف والممارسات، ومن الضروري الحفاظ عليها. في دولة متطورة كفرنسا، تعتبر أوقات آخر السنة مهمة للأعمال، حيث يعول القطاع الخاص كثيرا على الأسابيع القليلة المتبقية من 2018 لتحقيق الأرباح أو ربما للتعويض عن بعض التباطؤ الاقتصادي. تجري الانتخابات في فرنسا بشكل متواصل على مختلف المستويات المدنية والقروية والمحلية كما العامة، وبالتالي يمكن للغاضبين أن يغيروا الكثير بهدوء وفي صندوق الاقتراع. ما هي الحجة الأساسية للتحرك؟ رفض الضريبة على المحروقات التي تهدف إلى دفع المواطنين والشركات نحو استهلاك الطاقات غير الملوثة. هذه فكرة جيدة، لكن إذا وجدت معارضة لها فهل تستحق كل هذا العنف؟ ألغيت هذه الضريبة منذ أيام ولا يظهر أن الغاضبين ارتاحوا، بل يواصلون تحركم الذي لا تظهر نهاية واضحة له. مشكلة التحرك أن لا قيادة له وبالتالي من الصعب التفاوض معه. مشكلته أنه يرفض النظام والنتائج الاقتصادية المتراكمة منذ عقود. هذه مطالب من الصعب تلبيتها في أسابيع خاصة وأن ما يريدون غير واضح المعالم. لا شك أن هنالك أوضاعا عالمية صعبة اقترعت للبريكسيت وأتت بدونالد ترامب رئيسا وها هي تنتج أضرارا في فرنسا. هنالك أجواء عالمية اليوم يمكن أن تأتي بالتغيير، لكن ليس بالضرورة التغيير المناسب أو الصحيح كأن يفوز مثلا «برني ساندرز» بالانتخابات الرئاسية الأمريكية المقبلة وأن يصبح «جيريمي كوربين» رئيس وزرا بريطانيا قريبا إذا ما جرت انتخابات مبكرة نتيجة رفض مسودة الاتفاق مع الوحدة الأوروبية بشأن البريكسيت. التغيير ضروري ومقبول طالما أن المواطن اقترع له حتى لو لم تكن النتيجة مناسبة أو مفضلة. يسري هذا الشيء أيضا على الانتخابات البرازيلية والمكسيكية وغيرها بنتائجها المتنوعة.