الفكر المؤسسي والعالم العربي

    لا يمكن الحديث عن حل مشكلة كبيرة في دولة ما أو نجاحات تحققت في معالجة قضية مهمة، كانت اقتصادية أو اجتماعية، سياسية كانت أو بيئية، حديثاً أو في أي فترة من فترات التاريخ، بعيداً عن المؤسسية، فالمؤسسية بطبيعتها تبتعد عن الرأي الفردي الوحيد وتعمل في إطار الرأي الجمعي، لا تتأثر بالأهواء، تطبق النظام والقانون، ودائماً ما تحاول الوصول إلى تحقيق الأهداف المخطط لها فتصل في النهاية إلى بر النجاح. فالحضارة الغربية عبقريتها في المؤسسات والتي استطاعت أن تحافظ على هذه الحضارة، كما أنها قدمت وهي ما زالت تقدم مردوداً اقتصادياً ونمواً كبيراً على المستوى المحلي والعالمي، يصعب على كثير من دول العالم مجاراته وإذا كان العالم قد تحول من اقتصاد الحقول، إلى اقتصاد العقول، فإن العالم العربي لم يستطع حتى الآن معالجة القضايا الاقتصادية والاجتماعية الكبيرة، مثل قضية المؤسسية (الفكر- والتطبيق) والتي أثرت بدورها سلباً على قضايا الإنتاج والعدالة الاجتماعية والبطالة والفقر والتعليم والصحة والفساد وغيرها وأصبحت هذه القضايا تمثل شوكة في حلق الأمة العربية. كما أن تصنيف المؤسسات العربية التعليمية والمالية والتنموية وغيرها عالميا سواء الحكومي منها أو الخاص يأتي بعيدا عن تصنيف المؤسسات المتشابهة في الدول المتقدمة. وينسب الكثيرون في الوطن العربي سائر وجوه الفوضى، وغياب التخطيط المستقبلي والقصور في الأداء وفقدان الإستراتيجية والارتباك في اتخاذ القرارات أو اتخاذ القرارات بشكل مرتجل وغير موضوعي وفشل خطط التنمية والإصلاح الإداري بالشكل المأمول وتراجع كل محاولات النهضة والتقدم، كل ذلك يرده الكثيرون، إلى فقدان المؤسسة والفكر المؤسسي، وقد يضيف البعض إلى ذلك انتشار الرشوة والمحسوبية والتحيز إلى تلك الأمور التي يعتبرونها معوقات النهضة وتجاوز الأزمات. فلا يستطيع أحد إغفال الأهمية الكبيرة للمؤسسية، فالإنسان طوال التاريخ وهو يتطور، بل إنه يمكن القول إن آخر مراحل التطور التي يعيشها الإنسان الآن تؤكد أن المؤسسية عامل رئيسي فاعل فيها، حيث إن تطور الإنسان في المجالات السياسية دعمه ورشده ووجوده وجود المؤسسية، وهكذا الحال في المجال الاقتصادي والاجتماعي والمالي والواقع المعاصر، يشهد بالآتي حيثما وجدت المؤسسية وجد التقدم وحيثما وجد التقدم وجدت المؤسسية وعلى ذلك فإن الأمر على هذا النحو يجعل القول الآتي صحيحاً، التقدم والمؤسسية، حلقة لا يعرف أين بدؤها ومنتهاها، هذا التلازم بين التقدم والمؤسسية يستلزم على كل مواطن حسب مستواه وحسب عمله فكرياً وتنفيذياً، أن يهتم بموضوع المؤسسية تأصيلا وتطبيقاً. وفي الفكر الإسلامي يستند عمل المؤسسات بصورتها المنظمة إلى مبادئ عامة تعكس أحكام الشريعة الإسلامية المرنة والسمحة، وهدفها هو تحقيق المصالح العامة، (إذا كانت مؤسسات الدولة) أو خاصة إذا كانت المؤسسات الخاصة، في كل زمان ومكان استجابة لمتطلبات تلك المبادئ التي قامت على أساسها نشأة الدولة الإسلامية في عهد الرسول، صلى الله عليه وسلم، واستجابة إلى الفتوحات والتوسعات الإسلامية. وتربط كثيرا من الدراسات بين شرط عودة النهضة بعالمنا العربي وقبول فكرة المؤسسية وقيامها وترى أن مساهمة العرب في المؤسسات، لها هدف رئيسي وهو إثبات أن العرب قد استوعبوا فكرة المؤسسية قديما، بل طوروها حديثا وتعاملوا معها بكفاءة.