يتعزز باستمرار موقع دولة الإمارات، كمركز إقليمي وعالمي للتجارة والأعمال، وذلك من خلال تنامي القطاع التجاري ودعم الدولة له من خلال اتخاذ المزيد من إجراءات تطوير البنى التحتية وتقديم المزيد من التسهيلات والدعم للقطاع التجاري. آخر هذه التطورات المهمة جاء مع القرار الذي اتخذه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، بإقامة أكبر مدينة عالمية لتجارة الجملة على مساحة 550 مليون قدم مربعة وباستثمارات 30 مليار درهم وستضم 15 ألف تاجر، وذلك للاستحواذ على النسبة الأكبر من حجم قطاع تجارة الجملة العالمي البالغ 4.3 تريليون دولار والذي يتوقع أن يرتفع إلى 4.9 تريليون دولار في السنوات الخمس القادمة، بفضل نمو التجارة الدولية، حيث ستتحول المدينة المقترحة إلى عاصمة عالمية لتجارة الجملة ومرتبطة بأربع قارات وستضم العدد الأكبر من التجار في العالم. مثل هذا التوجه وهذه الرؤية الجريئة قابلة للتحقيق لاعتبارات عديدة، فبالإضافة إلى الموقع الإستراتيجي، فإن هناك عوامل أخرى تشكل في مجموعها أرضية قوية لإنجاح هذه الخطوة، فهناك البنية التحتية المتطورة للتجارة، كالموانئ والمطارات وشبكة المواصلات والاتصالات، كما يشكل النظام المالي المتقدم في الدولة دعما قويا لتوفير التمويل والائتمان اللازمين لعقد الصفقات وتوفير خدمات التأمين، بما فيها الكبيرة. وفي الوقت الحاضر تقف موانئ ومطارات الإمارات في مقدمة موانئ ومطارات منطقة الشرق الأوسط من ناحيتي الطاقة الاستيعابية ومستوى الخدمات المقدمة، وهو ما يوفر إمكانيات غير محدودة لتجار الجملة من مختلف البلدان على شكل خدمات لوجستية متطورة تضمن سرعة الإنجاز وتلبية الطلبات. وإلى جانب ذلك، فإن هذه البنية تتطلب وجود بنية مكملة، تلك البنية التي تتوفر في دبي والإمارات على شكل تسهيلات وإجراءات إدارية فيما يتعلق بإنهاء المعاملات والتراخيص والإجراءات الجمركية ومستويات الرسوم المنخفضة نسبيا. وبالتأكيد، فإن وجود هذه المدينة وبهذه الاستثمارات الكبيرة ستشكل بدورها إضافة كبيرة للقطاع التجاري وستستقطب المزيد من الاستثمارات ورجال الأعمال العالميين، مما سيعزز من المركز التجاري للدولة ويجد له انعكاسات على أنشطة العديد من القطاعات الأخرى، وبالأخص قطاع السفر والسياحة والمعارض والعقار والفندقة، بما فيها قطاع الطيران والخدمات العامة التي ستشهد انتعاشا إضافيا من خلال تنشيط القطاع التجاري المزدهر تقليديا. لذلك ستترتب على مجمل هذه التطورات نتائج ستساهم بدورها في زيادة حصة التجارة والخدمات في الناتج المحلي باتجاه إحداث المزيد من التنوع الاقتصادي وزيادة حصة القطاعات غير النفطية في الناتج المحلي الإجمالي وتقليل الاعتماد على النفط، وهو ما يخدم التوجه الإستراتيجي للدولة والرامي إلى تنويع مصادر الدخل والذي تم التأكيد عليه مؤخرا على أكثر من مستوى. ربما هناك مدن في أكثر من بلد لتجارة الجملة، إلا أن للمدينة الجديدة خصوصيتها التي تميزها عن غيرها من المدن، سواء من ناحية الحجم وكثافة الاستثمارات ومستوى الخدمات المقدمة والموقع الجغرافي وكذلك ارتباطها بالتقنيات الذكية التي توفر سرعة في الإنجاز وتبادل الصفقات، علما بأن دبي ودولة الإمارات تملك تجربة في إقامة المدن التجارية وهو ما يؤهلها لإنجاح هذه التجربة الجديدة. من جهة أخرى ستقدم هذه المدينة دعما كبيرا لتلبية متطلبات ومستلزمات المشاريع الكبيرة، ليس في المنطقة، وإنما في القارات الأربع المتصلة بها، إذ يمكنها توفير إمدادات سريعة لاحتياجات هذه المشاريع من مختلف السلع والخدمات وبأسعار تنافسية. إذن تقف دولة الإمارات أمام تطور سيغير طبيعة التجارة والصفقات التجارية في المنطقة لتتناسب ومرحلة العولمة وتقنية المعلومات لتتحول معها الأسواق المحلية إلى أحد أهم مراكز تجارة الجملة في العالم وأكثرها تقدما.