تكشف الخطة الخمسية الجديدة للأعوام 2016- 2020، النقاب عن توجه صيني يتمثل بإصلاح جانب العرض في الاقتصاد، وهو ما يشكل نقلة هامة في الفكر الاقتصادي الصيني، على اعتبار أن هذه السياسة تسمح بالتكيف مع المعطيات الاقتصادية القائمة والمتوقعة، وبالذات الوضع التنافسي الصعب للصين بعد أن وجهت الولايات المتحدة تركيزها باتجاهها، وهو ما يعني أن سياسات جانب الطلب التي تمثلت بالاستهلاك والتصدير والاستثمارات لم تعد أولوية، بعد أن أدركت أنها تساهم بتحقيق نمو اقتصادي قصير الأجل، فيما هي معنية بنمو اقتصادي طويل الأجل، وتجد أن سياسات جانب العرض كفيلة بتحقيقه. فمنذ وقعت الأزمة المالية العالمية في العام 2008، والصين تستخدم سياسة مالية ونقدية مرنة، لإيجاد المحفزات لزيادة الطلب، من خلال الاستثمار والاستهلاك والتصدير والحزم التحفيزية، التي أدت جميعها إلى تحقيق نمو زاد على 10%، وهو ما سمح بتأجيل حالة التباطؤ الاقتصادي، لينخفض بعدها نمو الاقتصاد إلى مستوى يقل عن 7%، إلى جانب ضعف القدرة على التصرف بالطاقة الإنتاجية الفائضة. الأمر الذي استدعى السلطات الصينية لمراجعة عناصر سياسة جانب الطلب المتبعة ومنها الاستثمار، بعد أن فقد قدرته على تحقيق النتائج المرجوة، خاصة أنه ركز على العقار والصناعة مع كل التحديات والمشكلات المتعلقة بهما، والاستهلاك، الذي لم يحقق النتائج المتوخاة، مع عدم وصول مساهمته في الاقتصاد لمعدل 70% وأكثر، كما هو الحال في الدول الغنية، مع أن ارتفاع هذا المعدل بشكل متواصل لتتجاوز نسبته 66% في العام 2015، صعودا من نسبة 51% في العام 2014، قد ساهم في الحد من التراجع في الاقتصاد الصيني، مع تراجع مزايا انخفاض كلفة التصنيع في الصين، وهشاشة التعافي الاقتصادي العالمي، وما أسفر عنه من تراجع الطلب على المنتجات الصينية، والانعكاسات السلبية لاتفاقية الشراكة الأطلسية على الاقتصاد الصيني. وهنا، فسياسة جانب العرض المعتمدة من جانب إدارة ريجان وحكومة تاتشر في ثمانينيات القرن الماضي، هدفت لتصغير حجم الحكومات، وتخفيض التدخل الحكومي في الاقتصاد، وإطلاق العنان للقطاع الخاص، وتخفيض الضرائب على الأغنياء والشركات ورجال الأعمال، لأنهم الأقدر على استخدام مدخراتهم من التوفير الضريبي في استثمارات جديدة، تؤدي إلى ديمومة النشاط الاقتصادي. فهل نحن أمام حكاية صينية مماثلة بعد أكثر من ثلاثين سنة من الريجانية التاتشرية، التي تبين أن فرضياتها لم تكن دقيقة خاصة خلال أزمة العام 2008؟ فالأسواق لم تستطع تنظيم نفسها بنفسها، فتدخلت الحكومات الرأسمالية الواحدة تلو الأخرى لتقديم حزم التحفيز، أم أن السياسة الصينية فيها تطوير واستخدام أكثر عقلانية لمعنى سياسات جانب العرض، بتركيزها على مصطلح «إصلاح» تلك السياسات؟ من الواضح أن هناك تنبها صينيا، إلى أن مواجهة الإشكالات التنموية والاقتصادية أكثر تعقيدا من مجرد اللجوء إلى استخدام سياسات لها مواقف اقتصادية واجتماعية مسبقة سلفا، أو ترك الساحة للشركات ورجال الأعمال ليقرروا بأنفسهم ما الذي يكون ضارا أو صالحا للاقتصاد وللناس، فالأمر يستدعي أن تعمل السياسات في جانب العرض دون إهمال سياسات جانب الطلب، باعتبار ذلك هو الابتكار الحقيقي الذي تقدمه الصين للعالم، بحيث يمكن للدول التي تعاني من نتائج هذه السياسة أو تلك، التعرف على مخارج للنجاة من أزماتها الاقتصادية التي عمقتها المؤسسات الدولية، نحو اقتصاد حقيقي لا ريعي، وإنتاج أكثر جودة، وحكومات أكثر قدرة على خدمة مواطنيها، واستثمار يراعي حاجة المجتمعات، بما يؤدي إلى نمو اقتصادي حقيقي ومستدام، بحيث تصبح السياسة الاقتصادية الجديدة، أهم صادرات الصين إلى العالم.