هنالك لا شك اليوم سوء توازن بين الوظائف والكفاءات وهذا يعود إلى التغيير الكبير في الاقتصاد العالمي كما إلى عدم تجاوب الجامعات ومعاهد التدريس مع الحاجات الجديدة. هنالك تقصير كبير فيما يخص جودة التعليم المهني والتقني الذي يحتاج العالم إليه كثيرا خاصة في الأزمات. لن يحصل النمو القوي مجددا من دون تغيير كبير في التقنيات والعلوم والخبرات المعتمدة في الإنتاج. مع انحدار موجة الكورونا يرتفع الطلب عالميا على السلع والخدمات أي أن هنالك نموا إيجابيا حاليا ومتوقعا مستقبليا. تبعا لصندوق النقد وفي الدول الصناعية، يتوقع أن يصل النمو إلى 4,5 % هذه السنة بعد ارتفاع قدره 5,2 % السنة الماضية. في الدول النامية والناشئة يتوقع أن يصل النمو إلى 5,1 % هذه السنة بعد ارتفاع قدره 6,4 % السنة الماضية. تنعكس هذه النسب الإيجابية على الطلب وبالتالي تدفع بالأسعار صعودا. هنالك حركة استهلاكية متصاعدة نراها خاصة في الدول الغربية بعد معاناة المواطن لسنتين أو أكثر من الإغلاق القسري نتيجة الكورونا. التجاوب الاستثماري ما زال أقل بسبب القلق والتمويل مما يساهم أيضا في الضغط على الأسعار. خلال الإغلاق ولمنع الاقتصادات من السقوط، قامت المصارف المركزية بضخ النقد في الأسواق وهذا كان عاملا مهما في دفع الأسعار صعودا. سبب ذلك في نفس الوقت ارتفاع التوقعات التضخمية مما ساهم في دفع الأسعار أكثر نحو الارتفاع. محاربة التوقعات مهمة جدا ولكنها صعبة، إذ إن إقناع المواطنين بالعكس ليس بالأمر السهل وهذا يعرقل أي سياسات مكافحة للتضخم. كيف يواجه العالم اليوم التضخم وخاصة التوقعات الخطرة؟ أهم سياسة بدأت المصارف المركزية اعتمادها هي رفع الفوائد التي ستكون فاعلة حتما لكن يلزمها بعض الوقت، إذ لا يمكن رفعها بسرعة وضرب النمو الاقتصادي. تقود الولايات المتحدة هذه السياسة والتي ستنعكس على كل الدول التي تربط نقدها بالدولار بينها لبنان ودول مجلس التعاون الخليجي. هنالك سياسات أخرى مكملة بينها بيع السندات في الأسواق من قبل المصارف المركزية ووزارات المال والتي تهدف إلى سحب النقد من الأسواق وبالتالي تخفيف الضغط على الطلب. يسود التشاؤم سكان العالم بسبب الأوضاع الأوكرانية واستمرار الكورونا كما بسبب كافة الأمور المعيشية المتعثرة حتى في أعرق الاقتصادات. هنالك مشاكل جدية أساسية أهمها ضعف ثقة المواطن بالحكومات، فكيف يتجاوب مع اقتراحاتها وسياساتها؟ هنالك ضعف ثقة بين مواطني العالم ليس فقط بين الأغنياء والفقراء بل حتى داخل المجموعات نفسها. في ظل هذه الأوضاع المادية والنفسية المتشنجة كيف تنجح السياسات في مكافحة التضخم والعودة إلى أجواء اقتصادية ومالية سليمة؟ مشكلة التضخم أنها تدخل ببطء إلى الاقتصادات وتنتشر في كل العروق والفروع مما يصعب عملية إخراجها. المهم أن تضع الحكومات والمصارف المركزية حواجز أمام امتداد المرض التضخمي بحيث تكون مواجهته أسهل. القضاء على التضخم صعب لأنه مرتبط بالسياسات والمعنويات والتوقعات وهذه أمور تعالج بهدوء.