غسيل الأموال.. دهاليز مظلمة

ظهر مصطلح «غسيل الأموال» في بدايات القرن العشرين حيث أطلقه رجال الأمن في الولايات المتحدة الأمريكية على العصابات التي كانت في ذلك الوقت تشتري غسالات أوتوماتيكية تقبل العملات المعدنية ذات الفئة الصغيرة كأجر لغسل الملابس، على أن يجري في نهاية كل يوم إضافة جزء من مردود تجارة المخدرات على إيراد تلك الغسالات كي تبعد الشبهة عنهم وبالتالي فإن محلات غسيل الملابس كانت واجهة لمزج الأموال الغير مشروعة والناتجة عن الأعمال الغير قانونية بأرباح تلك المحلات بهدف إخفاء مصدرها الأساسي لتبدو وكأنها أموال مشروعة من مصادر دخل قانونية، هذا وقد تمَّ في ذلك الوقت وتحديدا في العام 1931 القبض على زعيم هذه المافيا، وكان يدعى «آل كابوني» والذي تحول لاحقا إلى أسطورة من أساطير المافيا حيث سجن مدى الحياة بتهمة التهرب الضريبي وليس بتهمة غسيل الأموال، حيث لم يكن «غسيل الأموال» معروفا حينها. وبالتالي فإنه يمكن تعريف غسيل الأموال بأنه الإجراءات والأساليب التي يقوم بها أصحاب الأموال لتغيير صفتها من كونها أموال تم تحصيلها بطرق غير مشروعة مثل تجارة المخدرات أو السلاح أو غيرها من الأعمال، لتبدو كما لو أنه قد تم الحصول عليها من مصادر مشروعة وقانونية مما يمكنهم من استخدامها في النشاطات العامة ودون أي مساءلة قانونية. وقد عرفها البعض أيضا بأنها جريمة منظمة يقوم بمقتضاها فرد أو مجموعة من الناس بإجراء سلسلة متصلة من العمليات المالية على أموال جمعت من مصادر غير مشروعة لإخفاء مصادرها وبالتالي تحييدها عن القوانين الرقابية والمحاسبية. هذا ومما هو جدير بالذكر أن غسيل الأموال يعتبر من أهم العوامل التي تؤثر بشكل سلبي على المجتمع سواء من الناحية الاقتصادية أو المالية أو حتى الاجتماعية، ومن أهم هذه التأثيرات السلبية ما يلي: إهدار الموارد الاقتصادية للدولة وبالتالي التأثير سلبا على اقتصاديات هذه الدول بسبب الخسائر الكبيرة التي تتعرض لها هذه الدول وعلى رأسها التهرب من الجمارك والرسوم والضرائب، وهو ما يساهم في خفض الإيرادات العامة للدولة، وبالتالي ينعكس على خفض حجم الإنفاق العام. إحداث ضغوطات كبيرة على الأسواق من خلال إضعاف روح المنافسة حيث إن قيام بعض الكيانات الكبيرة بالأنشطة التجارية بهدف غسيل الأموال وليس بهدف تحقيق الربح يجعل من منافستهم أمر غير ممكن وخاصة للشركات الصغيرة والمتوسطة حيث إنهم يقومون ببيع السلع والخدمات بأسعار زهيدة قد لا تصل أحياناً إلى قيمة رأسمالها الحقيقي، وذلك لأنهم يبحثون عن تنظيف أموالهم حتى لو بأقل من تكلفتها أو قيمتها الحقيقية، وهو ما يخلق خلل بالأسواق ويضعف الثقة بالاستثمار وبالتالي حالة من اليأس لدى أصحاب الأعمال الاعتيادية وذلك بسبب الفروقات الكبيرة بين مؤسساتهم ومؤسسات رجال غسيل الأموال. تشجيع ظاهرة الجريمة المنظمة والفساد حيث إن عروض وإغراءات منظمات غسيل الأموال للعاملين في الهيئات الرقابية والمالية تؤدي إلى انتشار مبدأ السرقة والرشاوى للعاملين في هذه المؤسسات. تهديد الاستقرار الاجتماعي لدى المجتمع بسبب انتشار الأعمال الغير قانونية وهو ما يساهم في انتشار الفساد وانهيار منظومة القيم والأخلاق في المجتمعات. ارتفاع الخوف والحذر من التعامل مع المؤسسات المصرفية والمالية في الدول التي يتم بها تنفيذ عمليات غسيل الأموال، حيث إن هذه المؤسسات قد تتعرض إلى عدم رغبة بعض العملاء في التعامل معها، نظرا لضعف الثقة بها، خوفا من وقوعها في حالة الإفلاس أو الانهيار في حال الاشتباه بها أو تورطها بأي من هذه الأعمال. ارتفاع معدلات التضخم نتيجة زيادة الإقبال وارتفاع الطلب على شراء سلع أو أصول بذاتها وهو ما يؤدي إلى ارتفاع أسعارها بشكل مبالغ فيه وهو ما قد يسبب أحيانا ظهور الفقاعات الاقتصادية. وأخيرا وبرأيي الشخصي فإن غسيل الأموال وبالرغم من كونه مصطلحا حديثا إلا أن آثاره الاقتصادية والمالية باتت تؤثر على اقتصاديات جميع الدول وبالتالي فإنه بات الخطر الأول الذي يهدد قطاعات الأعمال الشرعية في دول بات اقتصاد الظل بها هو الأقوى والأكثر تأثيرا.