حول الصيف والمناسبات والإنفاق

تثقل أشهر الصيف الملتهبة في منطقة الخليج كاهل المجتمعات الخليجية ماليا، وبالخصوص المنتمين إلى شرائح الدخول المتوسطة والمتدنية وهم الأغلبية الساحقة، حيث ترتفع نسبة إنفاق الأسرة بشكل كبير في وقت تتجاوز فيه درجة الحرارة الـ 40 درجة مئوية، ففي الصيف يعتمد الخليجيون في منازلهم وسياراتهم اعتمادا كاملا على أجهزة التكييف التي تستهلك نسبة كبيرة من الطاقة فترتفع قيمة فاتورتي الكهرباء والماء وكذلك وقود السيارات بما تتجاوز نسبتهما الـ ٧٠% تقريبا عنها في أشهر الشتاء الباردة، ومع رفع الدعم الحكومي عنها وتطبيق "الضريبة المضافة" في عدد من دول المنطقة، أصبحت المعاناة أكبر بكثير. وفي الصيف تضغط الأسرة على معيلها للموافقة على تمويل رحلات استجمامية خارجية أو داخلية تستنزف الكثير من الدخل والمدخرات البسيطة جدا أو اعتمادا على القروض البنكية والتمويلية بفوائدها الباهظة، وهذه من الظواهر التي جذرتها في العقود القليلة الماضية - للأسف - ثقافة المباهاة والمظاهر والتأثر بسلوكيات الآخرين والرغبة في الاقتداء والتباهي دون مراعاة للظروف المادية وفوارق الدخول التي تتباين ما بين فئة وأسرة وأخرى، وساهمت في ترسيخها ونموها كذلك، التسهيلات البنكية من بطاقات ائتمانية تتنوع في استخداماتها وحزم القروض الاستهلاكية والدعايات التسويقية التي يسيل لها اللعاب وتعظم من مشاعر الإغراء دون حساب للنتائج والانعكاسات الخطيرة على مستقبل الأسر. وبسبب الإجازات المدرسية الطويلة التي تتجاوز الثلاثة أشهر، وما يصحبها من ملل وفراغ له مخاطره المتعددة، وخوف من انضمام الأبناء إلى الشللية والانزلاق إلى "ما لا تحمد عقباه"، وما تحدثه من اضطراب وفوضى في المنازل، يضطر رب الأسرة إلى إدخال أبنائه في مراكز ومعاهد تدريبية تأهيلية أو رياضية أو مدارس قرآن وتحفيظ وتعزيز وتقوية لبعض المواد وبالأخص اللغة الإنجليزية، وتكلفتها المالية مرتفعة دون شك. وفي الصيف ترتفع أيضا فاتورة التسوق والمشتريات وزيارة الأسواق والمجمعات التجارية.. وتزداد المحنة ويرتفع الإنفاق بشكل كبير، إذا توافق شهر رمضان والعيدان "الفطر والحج" مع أشهر الصيف القائظ... ففيهما تتحمل الأسر الخليجية أعباء متراكمة من التقاليد والأعراف الموروثة والتي لا نزال متمسكين بها حتى اليوم، رغم التحولات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية التي مرت بها منطقتنا، فقبيل الشهر الفضيل والعيدين بأيام، تنشط البيوت في تفصيل وشراء ملابس العيد والهدايا التي يتم تبادلها مع الأقارب والأصدقاء والجيران، وتوفير مستلزمات رمضان ومناسبات الأعياد من أضحيات وحلويات وغير ذلك الكثير من اللوازم والأشياء والسلع والبضائع والكماليات التي يعتقد الناس في مجتمعاتنا بأن شراءها واقتناءها في رمضان والأعياد الدينية فيه البركة والخير والتوفيق والأجر والشعور المضاعف بالبهجة والفرح، لذلك تستثمر وكالات السيارات والمجمعات التجارية والأسواق هذه المناسبات لرفع جرعات الدعاية والترويج وتقديم حزم من الإغراءات التي يقع المستهلك في أحابيلها. وتقع على وسائل الإعلام والكتاب ومؤسسات المجتمع المدني والعلماء مسؤولية تعزيز جرعات الوعي وتوجيه المجتمعات إلى ضبط الإنفاق والترشيد بما يتناسب مع دخولهم ومع رسالة الإسلام والمنطق، فالله عز وجل قال في محكم كتابه "... وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ". وقال تعالى كذلك "لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا"..