البنوك.. ما هي؟ كيف يتم تقييمها؟

البنوك هي تلك المؤسسات المالية التي غالبا ما يختلف الناس في نظرتهم اليها، فمنهم من يراها مؤسسات تمارس اعمال مُعقدّة بطبيعتها ترتبط غالبا بالقوانين واللوائح الداخلية لتحركات رؤوس الاموال وبالتالي فهي بنظرهم وبطبيعة الحال مؤسسات تملُك من السطوة ما يجعلها في موقع المُتحكم بأي عملية تتم عبر زبائنها وعملائها خاصة في ظل قوانين مصرفية مُتفق عليها عالميا، اما البعض الاخر فهو يرى في هذه البنوك مؤسسات تجارية عادية تعمل بناء لأبسط قواعد الاستثمار وهي قاعدة الإقراض والاقتراض مع استهداف تحقيق أرباح بسبب الفرق الحاصل بين هاتين العمليتين وهو ما يُحوِلها برأيهم الى مؤسسات تُتاجِر بالأموال والقروض عبر عمليات إيداع واقراض مُتتالية تبحث إداراتها العُليا عن الأرباح بين خفايا فوائدها الممنوحة والُمحصلّة، وبغض النظر عن أي من الآراء السابقة هو الأصح، ودون الخوض في غمار أي منهما هو الأقرب للحقيقة فإنه وبرغم الاختلاف الكبير السابق في الرؤية الشاملة لطبيعة عمل البنوك، الا أن كلّا من الرأيين السابقين وأي من الأراء الأخرى اتفقوا وبلا استثناء على أن هذه البنوك عبر أعمالها المالية المُتنوعة تُشكل عصب الحياة المالية الرئيسي وأساس النمو والتطور الاقتصادي لأي من المجتمعات، فهي وبلا أدنى شك خط الهجوم الأول لاي عملية استثمارية وهي أيضا وبلا مُنازع خط الدفاع الأخير للاقتصاد خاصة في ظل وجود أزمة مالية او كارثة اقتصادية في العالم، هذا الاتفاق في الرأي وهذه الأهمية الكبيرة التي اكتسبتها هذه البنوك والمؤسسات فتحت الباب أمام العديد من الاسئلة والتي من أهمها: ما هو تعريف البنوك؟ وكيف بدأت؟ وما هو دورها الأساسي؟ والسؤال الأهم هو كيف يُمكِننا أن نُقيّم عمل هذه البنوك ونقارن فيما بينها لنختار أيهما الأفضل كاستثمار أكثر أمانا؟ بداية فانه ومن الناحية اللغوية فإن أصل كلمة مصرف تعني المكان الذي يتم فيه الصرف وهو ما يعنى (بيع النقد بالنقد) ويقابلها في اللغة الانكليزية كلمة بنك (Bank) المشتقة من الكلمة الإيطالية (بانكو) (Banko) حيث بدأت فكرة المصارف الحديثة في مدينة البندقية في إيطاليا قُرابة العام 1397 تحت عنوان (بانكو ريالتو) وهي كلمة إيطالية يقصد بها المائدة أو الطاولة التي كان يجلس عليها الصيارفة، والذين كانوا يقبلُون إيداعات كبار الأثرياء والتجار ليحتفظوا بها على سبيل الأمانة على أن يقوموا بردِّها لهم عند طلبها وكانوا يحصلون مقابل ذلك على عمولات وذلك بغرض وقاية هذه الأموال وحِمايتها من السرقة، أما من الناحية العامة فإنه يُمكن تعريف البنوك على أنها مؤسسات حاصِلة على تصريح من الجهات الحكومية لقبول الودائع ومنح القروض للشركات والأفراد وتقديم خدمات مالية مثل تحويل العملات وإدارة الثروات وبالتالي فهي تعمل كمؤسسات مالية وسيطة تُسهّل عملية العرض والطلب على النقود حيث يقوم من لديه فائض من الثروة بالاحتفاظ بها في البنك والذي يقوم بدوره بإقراضها للجهات التي تحتاجها بناء لشروطه ومُتطلباته الخاصة، كذلك فإن هذه البنوك تقوم أيضا باستثمار الأموال المُودعة لديها بهدف تحقيق أرباح وهو ما يساعدها في دفع فوائد دوريّة للمودعين، هذا بالإضافة الى جميع الخدمات الأخرى التي تقوم بها البنوك كسحب وتظهير الأوراق التجارية والشيكات وتنفيذ أوامر التحويلات المالية الداخلية والخارجية وغيرها من الخدمات، ومن الجدير بالذكر أن المصرف الأول الذي يذكره التاريخ كان قد تأسس في بابل في أرض العراق القديم، وهو لم يُعرف باسم مصرف في ذلك الوقت بل كان يُعرف في كل منطقة بإسم الأسرة التي كانت تسيطر على أعمال الصيرفة والتي كان من أشهرها (أسرة "اجيبي" البابلية المالية).  أما بالحديث عن أهم المعايير والمؤشرات حول تقييم أداء البنوك فهي كثيرة ومُتنوعة ومن أهمها: نسبة كفاية رأس المال: وهي مقياس مهم يتم عبره معرفة نسبة رأس مال البنوك مقسوما على جمالي الأصول المُرجّحة بالمخاطر للبنك، حيث وببساطة يعتبر هذا المقياس أن مخاطر الائتمان المرتبطة بالأصول تعتمد على الجهة أو الكيان الذي يقوم بعملية الاقتراض من البنك، فعلى سبيل المثال يتم تقييم المخاطر المرتبطة بالقرض الذي يتم اقراضه للحكومة ب 0 ٪، أما القرض الخاص بالأفراد والشركات فيتم احتسابه بناء لتقييم كل حالة بنسبة قد تصل في بعض الأحيان الى 50 % أو 60 % أو حتى أكثر، وهو ما يجعل النسبة السابقة تتأثر بمدى قدرة العملاء الائتمانية وهو ما يُعتبر ضمان مهم للقدرة على السداد مُستقبلا، وتقوم هذه النسبة على مبدأ مهم وهو أن رأس مال البنك هو الخط الأول والأهم لحماية هذا البنك حيث كونه الواقي الرئيسي في حال حدوث صدمات او أزمات كبرى، وبالتالي فإن هذه النسبة تُعبر عن قدرة البنك على امتصاص الخسائر التي قد تحدث نتيجة أي خلل في عمليات الائتمان والاستثمار وذلك عن طريق حقوق الملكية الخاصة بأصحاب البنك. نسبة القروض الى الودائع: وهي مؤشر لسيولة البنك يتم احتسابه عبر قسمة إجمالي قروض البنوك وإجمالي التمويل على إجمالي الودائع وكلما كبرت هذه النسبة كلما قلَّت سيولة البنك وهذه النسبة هي مقياس شائع لتقييم مخاطر السيولة والائتمان، وهي تشير الى كفاءة عمل البنوك وقُدرتها على تحمُّل أي عمليات تخلُّف في السداد من قبل المُقترضين وهي مهمة أيضا لمعرفة قدرة البنوك على التوسع لاحقا. مدى جودة الاستثمار والقروض: وهو موضوع مُهم جدا وشائك فجودة القروض تعتمد على مدى قدرة العملاء على السداد من ناحية وعلى الوضع الائتماني لهم من ناحية أخرى، أما مدى جودة الاستثمار فإنه يعتمد وبشكل أساسي على عدة عوامل منها نسبة المخاطرة والتضخم في الدول التي يتم بها الاستثمار نفسه وهو ما شهدناه في الفترة عبر تصنيف بعض الدول ضمن (الدول ذات التضخم عالي الشِدّة) وهو ما جعل البنوك تأخذ مخصصات خاصة لهذا الشأن كما فعل بنك قطر الوطني مؤخرا لبعض استثماراته في تركيا حيث تم احتساب مُخصّص بقيمة 744 مليون ريال لتلبية المتطلبات المحاسبية وفقا للمعايير الدولية لإعداد التقارير المالية. واخيرا وليس آخرا فإنه وبرأيي الشخصي البنوك هي المُحرك الأساسي لاقتصاد الدول، وهي بنفس الوقت المعيار الأهم لمعرفة مدى سلامة الدورة المالية لأي مجتمع، ولنا في لبنان وما نتج عن تخلُّف مصارفه عن سداد التزاماتها تجاه المودعين من كوارث وأزمات اقتصادية خير دليل على ذلك، وهنا أتذكر مقولة الكاتب اللبناني الشهير " نسيم طالب " حين قال " يجب علينا منع البنوك من المُخاطرة لأن المجتمع كله سيدفع الثمن ".