يعلق الكاتب على هذه الشواهد بالقول (وبما نقلناه يعلم ما كان للأمة الإسلامية من نمو العمران، وسعة الثروة، والقوة الحربية الناشئة عن العدل، واجتماع الكلمة، وأخوة الممالك واتحادها في السياسة، واعتنائها بالعلوم والصناعات، ونحوها من المآثر العرفانية التي ظهرت في الإسلام، ونسج الأوروباويون على منوالها، وشهد المنصفون منهم بفضل التقدم فيها للأمة الإسلامية). ولو أن العالم العربي استفاد من تاريخه وسير خلفائه وأئمته واستثمر طاقاته وموارده وإمكاناته البشرية وثرواته الزراعية والسمكية والمعدنية والحيوانية والسياحة والصناعة والتجارة وغيرها ومضى قدما في تحقيق مشاريع السوق المشتركة وتبادل المنافع وإقامة وتنويع المشاريع الاقتصادية... لتبدل حاله ونهض من كبوته واستعاد أمجاده ونمى اقتصاده وتحول إلى واحد من الاقتصادات الكبرى على مستوى العالم. وتحدث الكاتب في كتابه القيم عن أمجاد العرب وعبقريتهم في مجالات العمارة والهندسة والتجارة والفلاحة، فالجامع العظيم الذي بناه عبد الرحمن بقرطبة، كان به ألف وثلاث وتسعون أسطوانة، وأربعة آلاف وسبعمائة قنديل، ثم قصر الزهراء الذي لا يتأخر عن الجمع المذكور في العظم... وأما التجارة فقد كان للعرب (حسن رغبة في سائر الأوقات... وأما الفلاحة فلا يعلم لهم نظير فيها... وأما الصناعات فإن العرب تعلموا جميعها لما دخلوا بلدان الرومانيين العظيمة، حتى صاروا أحذق أربابها...). خصص صاحب أقوم المسالك فصلا خاصا بـ (المكتشفات والمخترعات) الأوروبية ابتداء من سنة 1436 العام الذي شهد اختراع المطبعة في ألمانيا والمرآة التي (تكبر الأشياء)، و(جواذب الصاعقة التي تجذب القوة الكهربائية من السحاب وتدخل بها في الأرض)، وتلقيح الجدري، والآلة البخارية، وعرض للمكتبات العامة والحكومية وما تحتويه من مخطوطات وكتب تصل إلى مئات الآلاف، وفي الختام لخص خير الدين التونسي أسباب نهضة الغرب في الآتي: الحرية فهي (منشأ سعة نطاق العرفان والتمدن بالممالك الأوروباوية)، القوانين التي (تقيد الرعاة كما تقيد الرعية)، الحرية السياسية التي من شأنها تقويم اعوجاج ولاة الأمر والمسؤولين، والتي تمثلت في الغرب في الأنظمة البرلمانية، حرية المطبعة، وهي ألا (يمنع أحد منهم أن يكتب ما يظهر له من المصالح في الكتب والجرنالات) أي الصحف، الأمن الذي يتجلى في (العدل وحسن نظام الجماعة حتى يكون المحترف آمنا من اغتصاب شيء من نتائج حرفته)، وعن دور الرقابة والمساءلة وتقييم أداء الموظفين والمسؤولين في تحقيق التقدم يقول الكاتب (إن كل متوظف لا يرى الاحتساب عليه في وظيفته، فهو عديم الأمانة والنصيحة لدولته ووطنه، ولو كان معتمدا في ذلك على ما قد يجده في نفسه من حب الإنصاف لأنه تسبب فيما يستعقب الخراب بامتناعه عن المراقبة والاحتساب، حيث إن أكثر الموظفين إنما يباشر خطته على مقتضى شهواته ومصالحه الخصوصية، مؤثرا لها على المصالح الوطنية العمومية). جهود ومشاريع وأفكار تهدر وتضيع بين أمة لا تزال تقتاد على أيام داحس والبسوس لكي تواصل حشد طاقاتها للمزيد من الأيام الضائعة والمعارك الداخلية المدمرة التي رفعت من معدلات الفقر وعطلت ثروات الأمة وضاعفت من خسائرها وحولتها إلى أمة معتمدة على الآخرين في استهلاك حتى لقمة عيشها في غدوها ورواحها.