الحاجة أُم الاختراع... أمثلة حية

الحاجة هي ضرورة من ضروريات الحياة، بل هي طبيعة يمر بها كل انسان منذ يوم ولادته لتتطور مع الأيام فتزيد وتتغير، فحاجات الطفل تختلف عن حاجات الشاب التي بدورها تتخلف في كل مرحلة عمرية، بداية وكتعريف بسيط فانه يمكننا القول بان الحاجة هي مظهر من مظاهر الافتقار لشيء مُحدّد، فالحاجة في اللُغة العربية تتفرع من الفِعل احتاج أي افتقر أو نقص عليه أمر ما، والحاجة أيضا هي الشعور بالفقد والنقص لشيء ما، وهو ما يولد شعور الحرمان في حالة عدم وجود هذا الشيء، وهو أيضا ما يجعل الانسان في سعي دائم لتلبية تلك الحاجات التي يفتقر إليها من وجهة نظره وحسب ظروفه، فالمريض مثلا يعلم انه في حاجة ماسة للعِلاج والدواء، والعامل يعرف انه في حاجة لأدوات العمل لإتمام اعماله المختلفة. هذا ومما هو جدير بالذكر ان حاجات الانسان تختلف وتزداد من وقت الى اخر ومن زمن الى اخر، وهو ما جعل الكثير من المفكرين يحاولون وضع جداول لترتيب احتياجات الانسان المختلفة، والتي من أشهرها نظرية العالم " أبراهام ماسلو" والتي تناقش ترتيب الحاجات الإنسانية وتلخصها فيما يلي: أولا الاحتياجات الفسيولوجية مثل التنفس والاكل وشرب الماء ثم حاجات الأمان مثل تأمين المسكن والمأوى ليليها الاحتياجات الاجتماعية مثل الحاجة للانتماء للمجتمع أو العائلة أو القبيلة، ثم الحاجة للتقدير وهي الشعور بالمكافأة والمكانة المقبولة في المجتمع الذي ينتمي اليه، وأخيرا الحاجة لتحقيق الذات وهي إمكانية الابداع والتميز ضمن افراد المجتمع الواحد. أما بالحديث عن الفرق بين الرغبة والحاجة، فانه يُمكن تلخيصها ومن الناحية الفلسفية بان الرغبة ترتبط بالأشياء التي يطمع الشخص بالحصول عليها ويريدها بإصرار شديد، حيث ترتبط الرغبة بالجانب النفسي للإنسان، فعلم النفس يعتبر انه لا توجد رغبات مادية، بل هي مجرد مشاعر أو أحاسيس يُعبِّر بها الشخص بأنه يريد أو يطمح للوصول لأمر ما ليحقق في نفسه شعورا بالسعادة ارتبط عنده بتحقيق هذا الأمر، أما الحاجة فقد ارتبطت بناء لعلم النفس بالجزء المادي للإنسان وبالتالي بما يريده ويحتاجه هذا الجسم، أي انه غالبا ما يطلب الحاجة لأداء وظيفة مادية غير مرتبطةً بالحب كما في الرغبات التي غالبا ما تكون نابعة من حب الشخص لشيء معين مما ينجم عن رغبته به. وبالرغم من ان الحاجة وبشكل عام هي شعور صعب يحتاج الى موارد مختلفة لتلبيتها، الا انها أيضا كانت ومنذ القِدم المُلهِم الأول والاهم للكثيرين كي يبحثوا عن الطرق والسُبل المختلفة لإشباعها، وهو ما يأخذنا للحديث عن أنواع الحاجات والتي يمكن تلخيص أهمها بما يلي: حاجات أساسية: وهي الحاجات التي لا يمكن الاستغناء عنها مثل المأكل، والملبس، والمشرب.  حاجات ثانوية: وهي الحاجات التي تندرج تحت بند الرفاهية وهي بالتالي حاجات غير ضرورية بل يمكن ان نُطلق عليها اسم حاجات مُكمِّلة مثل السفر وممارسة الرياضة مثلا. حاجات فردية: وهي الحاجات التي يحتاجها الفرد لنفسه ويمكن له ان يلبيها وحيدا مثل تناول الغذاء.  حاجات جماعية: وهي الحاجات التي تحتاج تلبيتها لمجموعة من الافراد مثل الانضمام إلى ناد معين والذهاب في رحلات أو ممارسة نشاطات جماعية.  حاجات حاضرة: وهي الحاجات التي يحتاجها الانسان في الوقت الحاضر وغالبا ما تكون بسيطة مثل الأدوات اللازمة لإتمام عمل او نشاط مُحدد في الوقت الحالي.  حاجات مستقبلية: وهي الحاجات التي يعمل الانسان على تلبيتها مُستقبلا مثل التخطيط لبناء منزل أو الزواج وبناء اسرة. وأخيرا وبرأيي الشخصي فان الحاجة هي من اهم محفزات الاختراعات والأفكار الجديدة والتي غالبا ما تتحول لتصبح ثورة علمية وفكرية، فعلم التسويق والمبيعات من وجهة نظر مختلفة هو فن اشباع الرغبات والحاجات، ومعظم ان لم يكن جميع الاختراعات حدثت لتلبية حاجة ما، وهنا استذكر قصة الطبيب الفرنسي "رينيه لينيك" الذي توفي في عام 1826 بعد أن قدَّم للبشرية واحدا من اهم الاختراعات الطبية حين استُدعى لفحص فتاة لمرض في قلبها، وأبت هذه الفتاة أن تسمح للطبيب بوضع أذنه على صدرها كما جرت العادة في ذلك الحين، ونظرا لحاجته لسماع دقات القلب ومع إصرار الفتاة على الرفض وبعد تفكير، تصادف وجود صحيفة في المكان نفسه فأخذها الطبيب ولفّها على شكل أسطوانة ليضع طرفاً منها على صدر المريضة والطرف الاخر على أذنه، وكم كانت دهشته وفرحته كبيرتين حين سمع دقات القلب بوضوح، ولم ينه هذا الطبيب الفحص حتى كانت قد اختمرت في رأسه فكرة (السماعة الطبية) والتي مرّت لاحقا بمراحل تطور عديدة لتصبح في شكلها الحالي.