«المخطط الوراثي» كيف يجعلنا.. من نكون - الجزء الثالث

مما لا شك فيه، أن ما يعرض له كتاب "المخطط الوراثي، كيف يجعلنا الDNA من نكون"، من حقائق علمية، تثبت الأثر الكبير للوراثة على الخارطة السلوكية والصحية للإنسان يحدث تحولا عميقا في النهج السائد عند المجتمعات لأنه يقلل من دور التربية والتعليم والمدارس والنشأة المشتركة وخلافه والتي يعتد بها في تهذيب السلوك وتقويم النفس وتصحيح المعوج، ويربط كل انحراف في الأخلاق إلى التنشئة والتعليم كأساس ومرتكز ودور فعال في إصلاح ونجاح وذكاء وعبقرية الشخصية، صحيح أن التجارب العلمية لم تلغ دورها ولكنها أضعفته بشكل كبير وجعلته في مرتبة أقل بكثير عما وقر في العقول وكان من اليقينيات، "فالمضمون المذهل لهذه الأبحاث هو أننا سنشبه أبوينا واخوتنا حتى لو تم تبنينا من أسر مختلفة عند الولادة ونشأنا في أسر مختلفة...". ومهما شعرنا بالتوجس وراودتنا الشكوك على ضوء مشاهد ومواقف وأمثلة من الواقع، إلا أن نتائج التجارب العلمية الموسعة والأبحاث والدراسات المتخصصة تبقى هي الفيصل التي لا يمكن بأي حال تجاهلها والتشكيك فيها إلا في حالة أن تجارب علمية أكثر حداثة وتقدما نقضتها وأثبتت خطأها. ومن جانب آخر، فكثيرا ما نلقي باللوم ونرفض التسامح والبحث عن الأعذار في مقابل ما نراه ونعتقد بأنه خطأ جسيم وغير مقبول، من قبل الآخر في طريقة أسلوبه، وتطرف تفكيره ومزاجيته المتعكرة، وعندما لا تعجبنا تصرفاته... ولكن عندما نقابل ذلك مع نتائج التجارب العلمية فينبغي علينا "التسامح مع الآخرين، ومع أنفسنا. فبدلا من تحميل المسؤولية لآخرين ولأنفسنا عن كوننا مكتئبين، أو بطيئي التعلم أو ذي وزن زائد، علينا أن نعترف وأن نحترم الأثر الهائل للوراثة في الاختلافات الفردية. فالوراثة، لا قوة الارادة، هي التي تجعل بعض الناس أكثر عرضة لمشكلات مثل الاكتئاب...". في عرضه لأساسيات ال"DNA" وتأثيراته على الأجيال وما شكله من ثورة عبرت عنها الحقائق والاكتشافات العلمية، يشرح "روبرت بلومين"، قائلا "مخططنا الوراثي يتكون من جينومين، أحدهما من أمنا والثاني من أبينا، ومن ثم لدينا 23 زوجا من الكروموسومات التي يأتي أحد أفرادها من بويضة الأم والثاني يأتي من الحيوان المنوي للأب. إن زوج الكروموسومات ال23 الذي حصلت عليه من أمك فهو أمر عشوائي، وينطبق الأمر نفسه على ما حصلت عليه من أبيك، وفي كل زوج هناك احتمال 50% أن يحصل شقيقك أو شقيقتك على الكروموسوم نفسه الذي حصلت عليه، ولهذا السبب فإن التوائم المتطابقة أكثر تشابها من الأشقاء الآخرين..". هذه التجارب والثورات العلمية تعزز من فهم خارطة الإنسان و"من نكون"، وتجيب عن الأسئلة الشائكة وتسهم في حمايته من الكثير من الأمراض والمشكلات، فعلى سبيل المثال، لو كشف العلم بأن المصاب بسرطان القولون سببه جين خاص فيعد ذلك دليلا على أنه مرض وراثي يمكن تجنبه "باستخدام أساليب الهندسة الوراثية من خلال تعديل تركيب هذا الجين"، لهذا السبب فالعديد من "البلدان أسست بنوكا بيولوجية بأحجام عينات بمئات الالاف جمعت طيفا واسعا من المعلومات النفسية والطبية..." فأين هي اسهامات العرب وموقعهم من هذه الثورات العلمية التي لم يسجل التاريخ من قبل مثيلا لها ؟.