السلطة غير المنتخبة

تقول المبادئ التوجيهية إن محافظي البنوك المركزية، وغيرهم من صناع القرار غير المنتخبين، يظلون مسؤولين عن الصالح العام بعيداً عن الإجراءات التقليدية للاختيار الديمقراطي. وإذا أردنا فهم هذه المعادلة علينا قراءة كتاب بول توكر، الذي يحمل عنوان: «السلطة غير المنتخبة: السعي للشرعية في البنوك المركزية والحالة التنظيمية»، الصادر في 22 أبريل 2018 عن مطبعة جامعة برينستون. إن توكر هو زميل في كلية كينيدي بجامعة هارفارد، ورئيس مجلس المخاطر النظامية، وعمل لأكثر من ثلاثين عاماً محافظاً ومنظماً في بنك انجلترا المركزي وبنك التسويات الدولية. ويجلب معه في هذا الكتاب سنوات طويلة من الخبرة في بنك إنجلترا، ورؤى سياسية واقتصادية عميقة لمشكلة الحكم الأكثر إثارة للجدل اليوم، أي تفويض السلطة لوكالات حكومية مستقلة. ويُظْهِر أن بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، والبنوك المركزية الأخرى، قد أصبحت قوى متعددة الأغراض. ويخرج توكر من لعبة الضوابط والتوازنات، ويخاطر بكل استقلالية، ليقترح حلاً جديداً تماماً؛ وهو مبدأ التفويض، والذي سيؤدي، في تقديرنا، إلى نقاش مطلوب حول الإصلاح لسنوات عديدة مقبلة. إن السؤال الذي يطرحه بول توكر في «السلطة غير المنتخبة» هو؛ ما مدى النفوذ الذي ينبغي أن يستخدمه محافظو البنوك المركزية في الديمقراطية؟ يقدم إجابته بصورة مدروسة وقوية، ويضيف إليه بعض الاستنتاجات غير المريحة للسلطات النقدية، التي خرجت من حطام الأزمة المالية العالمية، مع تعزيز هذه السلطات. لكن ما بدا أقل وضوحاً هو ما إذا كانت السياسات المختلفة، أو مطالب الحفاظ على الاقتصاد العالمي بشكل مستقيم، ستسمح بمثل هذا التفكير الأساسي. فعلى مدى العقد الماضي، واجهت البنوك المركزية إشكاليات معقدة. على الرغم من أن بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، والبنك المركزي الأوروبي، وآخرين، فشلوا إلى حد كبير في رؤية الأزمة، إلا أنهم لعبوا دوراً حاسماً في التخفيف من حدة الركود اللاحق. لأنهم، عند القيام بذلك، قاموا باختبار، وفي بعض الأحيان تجاوز، حدود ما كان مسموحاً لهم في السابق القيام به. لقد كانت مكافأة صناع السياسة النقدية بمثابة صلاحيات جديدة. إذ تم منح بعض، أو، في حالة بنك إنجلترا، استعاد المسؤولية عن تنظيم البنوك البريطانية الأخرى. كما أنه، في معظم الاقتصادات المتقدمة، أصبح محافظو البنوك المركزية الآن مشحونين صراحة بمراقبة فقاعات الأصول وتقليل قيمتها. وفي غضون ذلك، اعتمد الساسة، إلى حد كبير، على أسعار الفائدة المنخفضة للغاية لتصحيح النمو الضعيف تدريجياً في مرحلة ما بعد الأزمة. وبهذا، خرج المصرفيون المركزيون من الأزمة المالية في المرتبة الثالثة الكبرى من السلطات غير المنتخبة، إلى جانب السلطة القضائية والجيش. إنهم يسحبون الروافع التنظيمية والمالية لرفاهيتنا الاقتصادية، ولكن على خلاف الزعماء المنتخبين ديمقراطياً، فإن قوتهم لا تأتي مباشرة من الشعب. فالسلطة غير المنتخبة تحدد المبادئ اللازمة لضمان أن محافظي البنوك المركزية، والتكنوقراط، والمنظمين، وغيرهم من وكلاء الدولة الإدارية، لا يزالون يشرفون على الصالح العام ولا يصبحون مواطنين كغيرهم من الناس العاديين. إن بول تاكر يعتمد على ثروة من الخبرة الشخصية من سنواته العديدة في صنع السياسة المحلية والدولية لمعالجة القضايا الكبيرة، التي تثيرها السلطة غير المنتخبة، ويثري نقاشه بأمثلة من الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا والاتحاد الأوروبي. ويمزج تاكر بين الاقتصاد والنظرية السياسية والقانون العام، لخلق الظروف الضرورية لتفويض السلطة المعزولة سياسياً لتكون مشروعة في نظر الديمقراطية الدستورية وحكم القانون. وهو يشرح لماذا يجب أن يتلاءم الحل مع كيفية هيكلة حكومة العالم الحقيقي، ولماذا يحتاج التكنوقراط ومراقبوهم السياسيون إلى حوافز لجعل النظام يعمل على النحو المنشود. ويوضح كيف أن الحالة التنظيمية لا تحتاج إلى أن تكون فرعاً رابعاً من الحكومة يمكن توجيهها من خلال أضوائها الخاصة، وكيف يمكن للمصرفيين المركزيين أن يحذوا أفضل ما في ضبط النفس القضائي، وأن يصبحوا نماذج للسلطة المتفرقة.