أدت الأزمة المالية العالمية التي بدأت ولادتها في الولايات المتحدة الأمريكية قبل أن تمتد آثارها الخطيرة وتتوسع إلى معظم دول العالم خلال العامين 2007- 2008م، إلى فقدان ملايين الأشخاص لوظائفهم التي يعتمدون عليها في تسديد الرهون العقارية وتسديد أقساط تعليم أبنائهم والوفاء بمتطلبات المعيشة وتكلفة الحياة بشكل عام، وفي الولايات المتحدة الأمريكية لوحدها شكل الركود الاقتصادي أسوأ أزمة توظيف منذ الكساد الكبير في عام 1929م، حيث وصل العدد إلى أكثر من 25 مليون عاطل عن العمل أو عاطل جزئيا. العديد من البرامج الوثائقية التي أنتجت خلال الأعوام القليلة الماضية أي في مرحلة ما بعد الأزمة وما تزال حتى اليوم، وتعرضها العديد من القنوات التلفزيونية الأمريكية وقنوات أخرى على مستوى العالم، تلقي الضوء على هذا الملف الحساس من خلال سلسلة من المقابلات مع عدد من الأشخاص الذين تم فصلهم من وظائفهم وفيهم أطباء ومعلمون وخبراء قانونيون وماليون وإعلاميون وأكاديميون... والحديث عن حجم المعاناة التي مروا بها، في أحد هذه البرامج التي تابعتها بشغف قدم كل واحد من هؤلاء المتضررين صورة معبرة ومتكاملة تعكس: تجربة وقوفهم أمام مدرائهم أو مدراء التنمية البشرية في الشركات التي كانوا يعملون فيها لإبلاغهم خبر الاستغناء عنهم، تصوير مرحلة الانتقال من السعادة إلى المعاناة، حجم القلق ومستوى الاحباط والوضع النفسي الذي عاشه من فصلوا من وظائفهم بسبب الركود الاقتصادي وتأثيراته البالغة على أفراد أسرهم بشكل عام، فارتفعت الاتصالات بخدمة منع الانتحار المحلي إلى أكثر من ثلاثة أضعاف في 2007م كما أظهرت التقارير الطبية أن معظم من جرى تشخيصهم بسبب الآلام الشديدة في الظهر والرقبة كانت بسبب المعاناة من اليأس والقلق والاحباط... لقد أبانت الأزمة المالية عن هشاشة النظام الاقتصادي وفساده المستشري في أوصال مؤسساته المصرفية والتأمينية بالأخص، وتأثيراتها المباشرة على المواطن، فاستقطبت المقاهي والمطاعم المئات من الباحثين عن عمل للتحاور فيما بينهم وتبادل الأفكار والرؤى الباحثة عن معالجات تخفف من الوضع المتأزم وعرض معاناتهم والاستماع إلى آخر الأخبار الاقتصادية ومستجدات الأزمة المالية والتشبث بالأمل والتخفيف عن بعضهم البعض بصناعة النكتة والدعابة وتتبع الوظائف المعلن عنها في مواقع النت والجرائد. مدرب في إحدى الشركات بعد فصله تقدم بطلب للحصول على وظيفة سائق شاحنة لنقل الطرود البريدية، ولكن لم يتم قبوله بدواعي أن خبرته وتعليمه أعلى من الوظيفة التي تقدم لها، وقد علق قائلا: عليهم أن (يفهموا بأنه علينا أن نأكل ولدينا أولاد لهم متطلبات أساسية وفوق ذلك لم نكن طرفا متسببا في الأزمة المالية). البرامج الوثائقية للأزمات المالية مفيدة وتقدم الكثير من الدروس والتجارب والمواقف التي تصور الحقيقة وآلية التعاطي مع آثار الأزمة المالية التي لا توجد دولة في العالم أو نظام اقتصادي أو مجتمع بمنأى عنها، ولكن بالإمكان التخفيف من آثارها الخطيرة على المواطن، ويمكن تهيئة المجتمع للتعامل مع مفرداتها وتعزيز قدراته وتأهيل وتدريب أفراده للتعاطي معها. (يتبع)