إنتاجية الفرد في اليابان كبيرة جدا مقارنة بإنتاجية المواطن العربي، وهذا ما يدفع البعض إلى التساؤل عن الأسباب التي أدت إلى نهوض الدول الآسيوية في فترة الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، وهي الفترة نفسها التي انطلقت فيها الدول العربية في نهضتها الاقتصادية والاجتماعية، ولكنها ظلت متخلفة عن مسايرة الركب التقدمي مقارنة مع دول آسيوية عديدة ومنها اليابان. فقد وصلت هذه الدولة إلى قمة الإنتاج والإبداع والجودة والذكاء الصناعي في العديد من المجالات الحيوية التي تهم البشرية. ومما لا شك فيه أن هناك عدة أسباب وراء هذا التقدم الذي شهدته اليابان، منها أن نظام الأسرة والتعليم في اليابان. كما أنه معروف عن اليابانيين أنهم يعتبرون العمل وظيفة اجتماعية، فهو المحرك والمحرّض الداخلي للعامل الياباني، وربما كان من أقوى الدوافع التي أدت إلى تحقيق الإنتاجية العالية في هذه الدولة خلال العقود الماضية. وعلينا أن نعرف أيضا أن الحياة في اليابان تتميز بالتنظيم وكثافة العمل والإنجاز في كل حقل، والهدف من ذلك كله هو تحقيق سبل الراحة لأبنائها، مع مواكبة التطور في نفس الوقت. لقد وفرت اليابان التي يصل عدد سكانها اليوم إلى أكثر من 130 مليون نسمة جميع أنواع المواصلات لمواطنيها ليصلوا إلى أماكن ومقار عملهم وإنتاجهم في الوقت المناسب. وما يميز هذا الشعب أيضا عن غيره من سائر الشعوب الأخرى هو أن بعض اليابانيين يعملون لساعات طويلة متجاوزين الحد القانوني ما بين 10 إلى 20 ساعة في الأسبوع، فيما نجد أن عدد ساعات العمل الرسمية في هذه الدولة تصل إلى 40 ساعة في الأسبوع، الأمر الذي أدى إلى تدخل الحكومة في هذا الشأن، وتحديد الساعات المعينة للعمل اليومي. لقد كانت من نتائج ذلك أن وصلت اليابان إلى مراتب متقدمة في عملية الإنتاج والتصنيع والتطوير في جميع القطاعات الاقتصادية، حيث يعتمد المدرءا على مبدأ التعاون فيما بينهم، وإيجاد الانسجام الذي تستند إليه الإدارة دون استخدام مبدأ الأوامر والتعالي. وهذا ما ساعد الجميع على تقديم الأفكار والإبداع في العمل والممارسة اليومية. وجميع هذه القضايا تساعد على زيادة إنتاجية العامل، كما أن دوران اليابانيين في العمل قليل جدا نتيجة انتمائهم لمؤسساتهم منذ أول وهلة يلتحقون فيها بالعمل، ويبقون به طيلة حياتهم، فيما تؤمن لهم مؤسساتهم الوظائف التي يشغلونها حتى مرحلة التقاعد. إن عناصر الإنتاج في اليابان عديدة إلا أن أهمها هو الإنسان الياباني الذي تمكن من التفوق بحكم تعليمه وتأهيله من استخدام لغته المحلية، بالإضافة إلى ممارسته الجيدة في العمل كالحوكمة والإدارة، ومحاربته للفساد والعمل بالثقافة الاجتماعية التي تقدس العمل أولا. فاليابان لديها نظام صارم في تطبيق القوانين وأنظمة العمل وتحفيز الإبداع والابتكار، وهي العوامل الأساسية التي أدت إلى زيادة الإنتاجية لدى الفرد الياباني، وهذا ما نفتقده في الدول العربية ومؤسساتها الحكومية والأهلية، خاصة في مجال العمل والإنتاج ونبذ الاتكالية وإدارة المسؤولية، والاستمرار في البحث العلمي، مع العمل على مكافحة الفساد، واختيار الرجل المناسب في المكان المناسب وليس من خلال التعيينات الجوفاء، لأن ذلك لا يخلق لدى العاملين الآخرين الراحة والاستقرار والأمن الوظيفي.