عنوان أي كتاب هو مفتاحه إلى القلوب، وكلما كان العنوان أنيقا وبليغا وصيغ بعناية تمكنه من التعبير عن محتواه بدقة ووضوح، لفت الأنظار وحجز موقعه في قلب قارئه الذي سيقدر دون شك أهميته وقيمته العلمية أو الفكرية أو الأدبية من عنوانه، الذي يعكس إبداع كاتبه، وسوف يسارع إلى قراءته وتقييم محاوره وفصوله، وهذا الكتاب الصادر عن "المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب"، ضمن سلسلة "عالم المعرفة"، اعتبرت أفكاره واحدة من أهم "معالم التطور الاقتصادي"، من تأليف "باتريك كاباندا"، وهو "عازف وموسيقي، وصاحب اهتمامات بالتنمية الاقتصادية، ومستشار في البنك الدولي..."، وترجم الكتاب إلى العربية "شاكر عبد الحميد"، وهو من الكتب الشيقة عنوانا ولغة ومحتوى، يستحق أن يقرأ وأن يلفت قارئه الآخرين إلى أهميته. "هل تستطيع الفنون أن تدفع التنمية إلى الأمام؟"، إجابتي كانت بنعم، قبل أن أقرأ كلمة واحدة من الكتاب، وكلي ثقة وإيمان، فالإبداع هو ثروة الأمم الحقيقية، والأمم التي تحترم وتقدر الفن بأنواعه، استطاعت أن تنهض وتتقدم وتجعل من ثقافتها أيقونة اعجاب للآخرين ومدعاة للإلهام واثراء التجارب. وكما أوضح "أمارتيا سن"، عالم الاقتصاد والفيلسوف الهندي، في تقديمه، فإن "المسرح والموسيقى والابتسام ليست مجرد أمور ضرورية لاستمرار الحياة على نحو جيد فقط. لكنها تمثل أيضا جوانب مهمة من عملية الابداع، تلك العملية التي لها، بدورها، دلالات اجتماعية واقتصادية وتربوية عظيمة...". يركز "باتريك" على "أهمية الفنون والثقافة ودورهما في إثراء حياة البشر، وأيضا تلك الطرق العملية التي يمكن من خلالها توظيف الفنون وتطبيقها من أجل تعزيز عمليات التقدم الاقتصادي والاجتماعي ذات المعنى"، ودورها المتعاظم كذلك في "جعل حياتنا أكثر ثراء وجمالا". يصف الكاتب محطات حياته، التي صقلت مهاراته وراكمت خبراته وكان لها أبلغ الأثر في أفكاره واهتماماته وهيأته لإعداد هذا النوع من الأبحاث والدراسات قائلا: "لقد عشت، بينما كنت طفلا صغيرا، في عالمين؛ كان العالم الأول منهما عالما إبداعيا، مملوءا بالموسيقى، وبكنز زاخر أيضا من الأصوات التي تمتد من الكنيسة إلى الطبيعة، وقد اشتمل ذلك العالم أيضا على نغمات أوتار الأرغن القوية، وألحان الكمان الأفريقي العذبة، ومعها أصوات جوقات الضفادع الخشنة، أما عالمي الثاني، وخلال الوقت نفسه، فقد كان أكثر واقعية من حيث طبيعته؛ لقد كان عالما يحمل علامات عدم الاستقرار السياسي، وكذلك المصاعب والفقر. وقد اجتمع هذان العالمان معا فشكلا نشازا قويا كان هو بلدي، أوغندا... وبوصفي عازف موسيقى، فإن عالم الفن قد ساعدني على فهم الكيفية التي تثري من خلالها الثقافة حياتنا... إن الفنون، بداية من العمارة وحتى الرقص، ومن فن الرسم وحتى الشعر؛ فنون بعضها يغذي بعضا، وهذا أمر حقيقي، سواء ألهمتنا هذه الفنون كي نبتكر، أو نتعامل مع الأمور الحتمية التي لا مناص منها، أو كانت تدفعنا من أجل ألا نكتفي بطرح الأسئلة فقط، بل أن نضطلع بالتقييم النقدي للإجابات التي حصلنا عليها أيضا..." فمن هذين العالمين الاثنين انطلقت في "التفكير في المسؤولية الخاصة بتعبئة الفنون وحشدها كي تقف خلف التنمية...". "يتبع"[email protected]