تراجعات أسعار النفط المنطق السليم يسقط نظرية المؤامرة

قطاع عريض من المتابعين والمهتمين في الوطن العربي لا يعتد بتحليلات وتعليقات الخبراء الاقتصاديين وما تورده نشرات الأخبار اليومية وما تتضمنه من رؤى وتعليلات حول الأسباب التي تقف وراء انهيار أسعار النفط والمتمثلة في زيادة المعروض في الأسواق العالمية لحد التخمة وانخفاض الطلب بسبب تراجع النمو في عدد من البلدان والقوى الاقتصادية المعتمدة عليه ودخول منتجين جدد لصناعاته....إلخ. معتبرين أن تلك الأسباب (المستهلكة) في نظرهم ما هي إلا للتمويه وتغييب الحقائق والتستر على السبب الواقعي لهذا التراجع الحاد في الأسواق العالمية متمثلا في شبح مؤامرة رسمتها وحاكتها الولايات المتحدة الأمريكية مع حليفاتها من بلدان الخليج العربي، للإضرار بالاقتصادين الروسي والإيراني أولا، ولخدمة الاقتصاد الأمريكي ثانيا والذي شهد انتعاشا بالفعل في النمو وارتفاع الدولار بسبب انخفاض أسعار النفط، الذي تعد أسواق الولايات المتحدة الأمريكية واحدة من أهم الأسواق العالمية طلبا للطاقة. مؤكدين أن الأسعار سرعان ما ستتعافى بمجرد أن تحقق تلك المؤامرة هدفها أو تتلاشى أسباب غاياتها السياسية. ومن بين هؤلاء المؤمنين بنظرية المؤامرة ساسة وخبراء اقتصاد عديدون، مقدمين لها بحيثيات وحجج ومقارنات تسندها، منها الصراع السياسي الأمريكي الروسي من جهة والماثل بالأخص في سوريا، والصراع الخليجي الإيراني كذلك في مواقع عديدة في المنطقة، كما أن الحروب المشتعلة والصراعات المتأججة هنا وهناك والتي يفترض بها أن ترفع من مخاطر إنتاج وتصنيع وتصدير النفط ورفع قيمته في الأسواق العالمية كما هو المعتاد، سارت به في خط معاكس تماما، أي إلى التراجع الحاد. وسرعان ما تسقط أساسات نظرية المؤامرة عندما نخضعها لنقاش موضوعي ويلفظها المنطق من حساباته عندما يحللها العقل السليم بشيء من الواقعية. إن خسارة بلد ما لجزء من قيمة منتج أساسي يعتمد عليه اقتصاده متمثلا في انخفاض أسعاره العالمية أو ارتفاع تكلفة إنتاجه أو تراجع كميات الإنتاج، يعني في المقابل نتائج وآثارا خطيرة تنعكس أول ما تنعكس على النظام السياسي لهذا البلد الذي سيترنح شيئا فشيئا أمام العواصف المتتابعة لضعف اقتصاده وعدم القدرة على القيام بمسؤولياته والوفاء بالتزاماته، ما قد يضعف من قبضته تدريجيا ويفقده شرعيته في نهاية المطاف.. هذا جانب، ومن جانب آخر فلابد لتساؤلات أن تطرح، كيف لنظام حكم أيًّا كان نهجه وآليات عمله أن يرتضي الدخول في مؤامرات وصفقات تفقد اقتصاده مئات المليارات من الدولارات ومعها هيبته الداخلية والخارجية وعلى حساب ازدهار وحقوق المواطنين الذي هو مسؤول عنهم؟ وكيف لنا أن نفسر التناقض الصارخ بين اتفاق طرفاه الولايات المتحدة الأمريكية من جهة ودول الخليج من جهة أخرى للإضرار بالاقتصاد الإيراني عبر إغراق الأسواق بالنفط وتخفيض أسعاره، في الوقت الذي توقع فيه أمريكا والغرب الاتفاقيات والتفاهمات السياسية والاقتصادية مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية؟ وهل يمكن لدولة أو أكثر مهما كانت قوتها الاقتصادية أن تتحكم في أسعار سلعة عالمية صعودا وهبوطا في سوق مفتوح وتؤثر وتتأثر بها قوى وأطراف كثيرة ويعتمد عليها العالم إنتاجا واستهلاكا وتقوم عليها صناعاته؟  أسئلة ومبررات وحيثيات تترنح أمامها أساسات نظرية المؤامرة التي أدمنا نحن العرب على تقديمها وطرحها للتبرير لكل حدث مرتبط بنا، فاستهلكت منا الكثير من الوقت والجهد. ولا تعنيني نظرية المؤامرة كمواطن خليجي في شيء وما إذا كانت صحيحة أم لا ما دامت على حالها تسبح في دوامة الشكوك والظنون لأهدر بشأنها الوقت والجهد، قدر ما يعنيني أن تلتفت الدول المنتجة والمعتمد اقتصادها على النفط وفي مقدمتها دول الخليج، إلى الاستفادة من دروس الأزمة بأفكار اقتصادية قيمة ورؤى عملية متقدمة وقيام مشاريع كبيرة واستثمارات مستديمة وتوظيف المقومات المتوفرة والنهوض بالقطاعات التعليمية والسياحية والصناعية لتعويض خسائر انهيار أسعار النفط وقيام اقتصاد خليجي قوي قادر على التأقلم مع المتغيرات والمخاطر، وعدم الاطمئنان إلى أسعار الذهب الأسود وإن عاودت صعودها التصحيحي.