يواجه البريكست مأزقا سياسيا كبيرا في ظل رفض البرلمان البريطاني للاتفاق البريطاني الأوروبي ومطالبة نوابه بالمزيد من الضمانات الاقتصادية، فبعد ثالث رفض للمشروع يبدو مستقبل العلاقة بين لندن وبروكسل مبهما مع ضيق الخيارات التي تتحدد في خروج بدون اتفاق وهو أمر يصعب العلاقة المذكورة ويزيد من الانقسام الأوروبي أو تمديد مهلة التصويت حتى تتفاوض الأطراف المعنية وهو الأمر الذي يرفضه الاتحاد الأوروبي. وفي نفس السياق، تتزايد دعوات المطالبين بالبقاء في الاتحاد الأوروبي وإعادة القيام باستفتاء، خاصة مع ارتاع الخسائر الاقتصادية جراء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.
وفي هذا الصدد، تتعدد الخسائر الاقتصادية البريطانية من خلال رحيل الاستثمارات المالية التي كانت تشكل عماد الاقتصاد البريطاني، كما تأثرت بعض القطاعات الأخرى كالسيارات بعد قرار شركات كبيرة كهوندا الرحيل من السوق البريطاني حيث كانت تنتج نصف مليون سيارة في بريطانيا، تراجع قطاع العقارات بما يقارب 15% كما تؤكد تقارير بريطانية، ناهيك عن الهجرة المطردة للأدمغة ولليد العاملة البريطانية نحو ألمانيا وفرنسا، فقد صدر تصريح مخرا لوزارة الداخلية الفرنسية يشير إلى أن عدد البريطانيين الطالبين للحصول على الجنسية الفرنسية قد تضاعف ثلاث مرات.
ومما تجدر الإشارة إليه، أن خروج بريطانيا من دون اتفاق يعني ضرورة إعادة صياغة العلاقة مع الاتحاد الأوروبي، فيما يخص التبادل التجاري، التعريفات الجمركية ومعايير المنتجات والخدمات المتعلقة بالصحة والبيئة، علما بأن الاتحاد الأوروبي يستوعب 40 % من صادرات بريطانيا و60 % من تجارتها المالية، الأمر الذي يؤثر على الجانبية في علاقتهما التجارية.
ولا شك أن هناك فشلا للفاعل السياسي في إدارة مسار البريكست ومواجهة أزماته، ففشل التصويت بالموافقة لمرات متتالية وتعنت الاتحاد الأوروبي في تمديد المدة، فهذا الأخير يريد من البريكست أن يكون تجربة قاسية ومريرة يمرر من خلاله رسالة شديدة اللهجة لكل الدول الراغبة في الخروج من عباءته أن عواقب الانفصال وتكلفته باهظة وأنه لا مناص للدول الأوروبية إلا الاتحاد لمواجهة القوى الاقتصادية الأخرى كالولايات المتحدة الأمريكية والصين اللتين تراقبان المشهد الأوروبي وتساندان البريكست تارة بدعوة بريطانيا للتحرر من ملزمات بروكسل التجارية والمالية وتارة أخرى بتحفيزها على الانضمام لمشروع طريق الحرير الصيني.
وبذلك، فإن الفشل السياسي يفتح مجالا واسعا لمجموعات الضغط الاقتصادية المتمثلة في كبرى الشركات الأوروبية والبنوك الاستثمارية للبحث عن مخرجات سياسية توافقية تضمن التوازن والاستقرار الاقتصادي للقارة الأوروبية وتحد من خسائر لندن المتلاحقة.