الأشهر العجاف هل ستعقبها أخرى سمان؟

ألحقت جائحة كورونا أضرارا بليغة بالاقتصاد العالمي، وأصاب الاقتصاديات المحلية لكل دولة بركود يصعب التكهن بنهايته، يعتمد على تفاوت قوة أو ضعف الاقتصاد ذاته وخصائصه ونوع الموارد التي يعتمد عليها، وضعف أو شراسة الفيروس فيها، وما ألحقه من آثار وخسائر على مجتمعاتها من حيث أعداد المصابين والوفيات والمدة التي استغرقها، وما تطلبه إغلاق الأسواق والأنشطة الاقتصادية من زمن. وكان الضرر على دول الخليج عميقا ومزدوجا من جانبين، التراجعات الحادة التي شهدتها أسعار النفط في الأسواق العالمية والذي لم يحدث مثيلا له على مدى أكثر من ستة عشر عاما، وتعتمد موازناتها عليه اعتمادا أساسيا تتجاوز نسبته الـ 70% في المتوسط، أو من حيث تأثر الأنشطة والقطاعات الاقتصادية الأخرى التي تم تعليقها ووقفها وتراجع مبيعاتها، بدءا من قطاعات السياحة والفندقة والنقل الجوي وحتى البحري والبري وليس انتهاء بالأسواق والمحلات التجارية وكل أشكال الحياة والنشاط الاقتصادي، وهو وضع استثنائي لم يشهد له العصر الحديث مثيلا، ولن تتضح آثاره ونتائجه على الاقتصاد ونشاطاته وازدهار المجتمعات ورخائها ومنجزاتها إلا بعد فترة من الوقت قد تطول كثيرا، وحتى إن تعافى العالم من وباء كورونا قريبا وتراجعت الإصابات إلى الصفر ولفظت البشرية هذا الرعب الذي عاشته، إلا أن تعافي الاقتصاديات الخليجية سيتطلب وقتا طويلا وذلك لعدة أسباب يتشابك ويتداخل بعضها مع الاقتصاد العالمي فيما تأخذ أخرى الخصوصية المرتبطة بأسعار النفط والنشاط الداخلي للأسواق وسمات الاقتصاديات الخليجية من أبرزها: أولا: أسعار النفط لن تتمكن من مواكبة التقدير المحدد في الموازنات السنوية حتى نهاية هذا العام على أقل تقدير وذلك لأن الدول المستهلكة والمستوردة له تعمل على ملء احتياطاتها خلال فترة انهيار الأسعار، ولكون الاقتصاد العالمي يمر بمرحلة كساد شامل، كما يتوقع الخبراء بأنه حتى بعد اتفاق الدول المنتجة على خفض الإنتاج، ستظل الأسعار متذبذبة في محيط الثلاثينيات. ثانيا: أصدرت بعض الحكومات الخليجية قرارات وسياسات تقشفية وإصلاحات صارمة وسوف تجري في هذا الطريق نظرا لما تعانيه اقتصاداتها من ركود، مما يضعف القوة الشرائية أولا، والمضي في خفض نسبة المشاريع الحكومية التي يعتمد عليها القطاع الخاص ثانيا. ثالثا: متوقع أن يفقد السوق الخليجي آلاف العمالة الأجنبية بسبب الانكماش وتراجع نشاط السوق، وهو ما سوف يقود إلى فقدانه - أي السوق - إلى قوة عمالية وشرائية في آن واحد. رابعا: تحتاج قطاعات السياحة والفندقة والنقل إلى فترة طويلة حتى تتمكن من استعادة نشاطها المعهود. أخيرا: سوف تفتقد بعض الحكومات الخليجية التدفقات النقدية التي تمكنها من إنعاش الاقتصاد على غرار العديد من دول العالم ذات الاقتصاديات القوية، وبعضها خسر الكثير من الأموال التي ضخت في السوق. فهل ستعقب هذه الأشهر العجاف سنوات سمان؟ هذا يعتمد بالطبع على الفترة التي سيتمكن فيها العالم من السيطرة على الوباء، وقدرته في استعادة نمو اقتصاداته، وإصلاح مؤسساته وهياكله ونجاح القوى الاقتصادية على صياغة نظام اقتصادي عالمي مبني على التكامل والتعاون والصلابة استفادة من درس المرحلة القاسي.