ظواهر اجتماعية مكلفة اقتصاديا

تنتشر في مجتمعنا الخليجي ظاهرتان لهما أبعاد خطيرة على التنمية الاقتصادية والاجتماعية، حيث تمثلان مصدرا لإهدار المال العام وانخفاضا في الإنتاجية العامة وسوء استخدام للمرافق والخدمات العامة وهذا سوف يقودنا في النهاية إلى فساد المجتمع. وكلتا الظاهرتين تعبران عن حالة اقتصادية سيئة وعقبة أمام تطور المجتمع فكريا واقتصاديا، لانهما تشيران إلى حالة غريبة وهي نفور العامل الخليجي من بيئة العمل. الظاهرة الأولى هي ارتفاع عدد الإجازات المرضية في مجلس التعاون، حيث أشارت دراسة حديثة إلى أن هناك إجازة مرضية تمنح لمرتادي المراكز الصحية من بين كل أربعين زيارة، وهو عدد غير بسيط. وفي البحرين تصل عدد مثل هذه الإجازات الى حوالي 200 ألف إجازة في السنة، وبحوالي تكلفة إجمالية 8 ملايين دينار. ويشتكي رجال الأعمال من أن العيادات الخاصة تمنح إجازات مرضية لمرتاديها من دون الحاجة إلى ذلك، الأمر الذي يؤدي إلى خسائر مالية فادحة سنويا. وقد نشرت إحدى الجرائد المحلية تحقيقا حول الإجازات المرضية، حيث نقلت عن أحد الموظفين أن لديه قناعة تامة بالحصول على الإجازة الوظيفية حتى مع عدم الحاجة إليها، متذرعاً بما أسماه «الحقوق الوظيفية الضائعة». وعلى الرغم من أن ظاهرة الإجازات المرضية تعتبر مظهرا من مظاهر الفساد في المجتمع وتؤسس لقيم اجتماعية خطيرة تلحق الخسائر بالاقتصاد الكلي، إلا أنه لم تبحث كلفتها بعد، لا من جهات مستقلة ولا من الحكومة. الظاهرة الأخرى لا تقل خطورة عن الأولى وهي تتمثل في الطلب المتزايد على التقاعد المبكر، فهناك أعداد كبيرة من العمالة الوطنية في المؤسسات الخاصة والعامة تطالب بالتقاعد المبكر الذي يوفره قانون الضمان الاجتماعي، والغريب في الأمر أن بعض المؤسسات تتجاوب مع هذا الطلب وتلجأ إلى إحالة عدد من موظفيها الذين لا يتجاوز البعض منهم العقد الرابع من أعمارهم إلى التقاعد المبكر بحجة أنها عمالة فائضة لا حاجة لها منها. لقد أصبح التقاعد الشبابي ظاهرة متفشية في مجتمعنا، وأصبح حلما يراود المئات بل الآلاف من الموظفين بمختلف الأعمار. نسبة كبيرة من المتقاعدين لم تتجاوز أعمارهم الأربعين أو الخمسة والثلاثين عاماً، بعضهم عمل لفترة 15 سنة فقط. إن هذا الوضع يشوه بيئة العمل وله أبعاد خطيرة على الوضع الاقتصادي ويجب معالجته فوراً من خلال اتخاذ الإجراءات المناسبة ووضع السياسات الملائمة. إن خطورة هذا الوضع تكمن في تفشي أمراض مزمنة في سوق العمل أهمها انحدار مستمر في الإنتاجية وزيادة عدد المتقاعسين عن العمل إضافة إلى زيادة المصروفات غير الإنتاجية، الأمر الذي قد يؤدي إلى زيادة تدهور الوضع المالي والاقتصادي في العديد من المؤسسات الإنتاجية. التقاعد المبكر الذي يشرعه القانون بشروط معينة، والذي تطالب بتطبيقه في كثير من الأحيان النقابات العمالية ومنظمات العمل الدولية، تستخدمه الحكومات والمؤسسات الخاصة لتصحيح التشوهات والاختلالات في سوق العمل، كما أنه يعتبر حلا ملائماً وفعالا لمشكلة البطالة، ويستخدم أيضاً كوسيلة لإدخال دماء جديدة في الإدارة الإنتاجية لغرض زيادة الإبداع والإنتاج، وأداة هامة للحفاظ على التوازن في الميزانية العمومية للمؤسسات والشركات خاصة تلك التي تواجه صعوبات مالية. إلا أن ظاهرة التقاعد المبكر المتفشية لدينا هي ليست بالضرورة سياسة مبرمجة لمعالجة تلك التشوهات التي قد تحدث في سوق العمل وإنما هي ظاهرة قد تساهم في تفاقم تلك التشوهات. نعتقد بأن هناك حاجة لدراسة أسباب هذه الظواهر السلبية المشوهة لبيئة العمل حتى لا تتحول إلى كارثة تهدد مستقبل الأجيال القادمة. يجب تدارس أبعاد هذه الظاهرتين على مجتمعنا ووضعنا الاقتصادي، والتعرف على كيفية التعامل معالجتهما.