لطالما كنت اتساءل عندما يعود بي التفكير الى الزمن القديم، كيف كان الناس يُثبِتون ملكيتهِم لأراضيهم وأصولهِم المُختلفة، وكيف يتم التحقق من أي ادِّعاءات يقوم بها مُحتال أو لص يدّعي أنه يملك عقارا او أي من مُمتلكات شخص آخر، فهل كان العُرف ومعرفة أبناء المُجتمع الواحد بكل الأشخاص الذين يعيشون تحت ظل القبيلة او المنطقة الواحِدة كاف لإثبات صحة امتلاك الشخص لأصوله، أو أن ذلك الختم اليدوي الصُنع كان غير قابل للتزوير او النسخ،ألم يكن يوجد في ذلك الوقت رسّامون مُحترفون يرتقون لدرجة مُزورين قادرين على ايهام الناس بحقائق باطِلة، نعم انه زمن كانت الكلمة فيه محسوبة وكان الوعد فيه عقدا والالتزام طبيعة، تغيرت الدُنيا وتطورت الحياة وأصبحت عملية حماية الأملاك اصعب من امتلاكِها وباتت عمليات الكذب والتزوير روتينا يوميا يواجه مُعظم المُستثمرين والاثرياء، وهو ما حوّل عملية اثبات المُلك الى دوائر حكومية وسجلات رسمية تحتفظ بها الدول والحكومات في دفاتر خاصة لا يُمكِن الوصول اليها الا للمصرّح لهم بذلك، وهنا ظهرت مُشكلة جديدة، فما الحل لو ان احد هؤلاء المصرّح لهم بتعديل هذه السجلات قام بذلك دون وجه حق، وما هي طريقة اثبات الحقوق لو ان القائم على السجلات كان مُتلاعبا او لصا او حتى شخصا يقبل الرشوة، اليس من الأولى توزيع السجلات على نسخ والاحتفاظ بها لدى عِدّة أشخاص، ولكن كيف يُمكِننا تغييرها جميعها بنفس الوقت؟ عملية مُعقّدة كانت دوما محل جذب أساسي للطامعين المُحتالين، هذه التغيرات والمشاكل مع تطور علمي كبير يعتمد على الحواسيب والآلات الذكية كانت أساسا مُهما لظهور سجلات من نوع جديد، أُطلِق عليها اسم "سلسلة الكتل" أو " البلوك شين"، وهنا يأتي السؤال المهم، فما هي البلوك شين؟ وكيف تعمل؟ وما هي أهم خصائصها ومميزاتها؟ وما هي استخداماتها؟ وما اهم الصناعات تأثرا بها؟ أولا وقبل كل شيء فإنه من المهم جدا معرفة ان " البلوك شين" وحتى وان كانت عملية مُتطورة وحديثة الا انها ما زالت في بداياتها وبالتالي فإنها جاهزة لكثير من التغيرات والتطوير الذي يقوم على تطور التكنولوجيا الحديثة السريع والكبير، أما بالعودة الى تعريفها، ف" البلوك شين " هي عبارة عن آلية متقدمة لقواعد البيانات تسمح بمشاركة المعلومات بشكل شفاف داخل شبكة أعمال مُعينة حيث تخزن قاعدة بيانات سلسلة الكتل جميع البيانات في كتل مرتبطة ببعضها البعض مُشكِّلة ما يشبه السلسلة، على ان تكون هذه البيانات متّسِقة زمنيًا بحيث انه لا يُمكِن للمُستخدمين حذف هذه السلسلة أو تعديلها من دون توافق كامل في الشبكة ككل، وهو الامر الذي يجعلها مثالية لدى الكثيرين لإنشاء سجل حسابات غير قابل للتغيير أو ثابت لتتبع الطلبات والمدفوعات والحسابات واي من المعاملات الأخرى، وباختصار هي عبارة عن تقنية لحفظ البيانات والسجلات تتميز بكونِها تقنية مفتوحة المصدر وقابلة للبرمجة وغير قابلة للسيطرة أو التحكم فيها،فهي عبارة عن قاعدة من البيانات اللامركزية التي يديرها العديد من المشاركين لتؤدي دورها الذي هو في الأساس دفتر تسجيل رقمي للمعاملات التي يتم تكرارها وتوزيعها عبر الشبكة الكاملة للنظام في جميع كتل السجلات المشفرة والمربوطة ومؤمنة فيما بينها ومؤمنة بشفرة خاصة، ولتوضيح الامر فلنفترض انه يوجد أربعة أشخاص وهم أحمد و محمد و صلاح و معمر وكل شخص منهم لدية مال في محفظة الكترونية ترتبط بنفس الشبكة، فإذا أراد احمد مثلا شراء سلعة ما بسعر 100 ريال من صلاح، فإنه يجب ان يدخل إلى محفظته الإلكترونية، ومن ثم يرسل إلى صلاح مبلغ 100 ريال مقابل شراء تلك السلعة وبالتالي تنفيذ تلك العملية باستخدام تقنية سلسلة الكُتل، وهو الامر الذي يشترط تسجيل هذه المعاملة في سجل التعاملات الموجود لدى هؤلاء الأربعة أشخاص، حيث تقوم وحدة التخزين بنسخ سجل حول بيان التحويل من أحمد إلى صلاح على أربعة نسخ جزئية مشفرة، ومن ثم إرساله إلى سجلاتهم الأربعة أشخاص بحيث يكون كل واحد فيهم قادرًا على قراءة السجل، ومعرفة أنه تم تحويل مبلغ قدره 100 ريال من شخص إلى آخر دون معرفة من هو المحوَّل منه أو من هو المُستلم فهم يعرفون أن هناك عملية تحويل عبر اكواد خاصة لكنهم لا يعرفون أسماء الأشخاص، وهذا يعني أن كل واحد من هؤلاء الاربعة لديه حصة صغيرة من البيانات المشفرة، بحيث يمكنهم الاطلاع على كافة العمليات التي يتم تسجيلها في نفس الوقت، دون فك شفرتها أو معرفة مصدر كل تحويل أو هوية المُستلم، وكل هذا يتم من خلال شبكة الاتصال المعقدة والكتل المتسلسلة. وبالحديث عن اهم مزايا واستخدامات هذه الطريقة فهي انها تُعزِّز خاصية الأمان وحفظ المعلومات بين المُتعاملين إضافة الى سرعتها ودقتها وسريتها فهي تتم مباشرة بين طرفي التعامل دون الحاجة الى أي وسيط او طرف ثالث، وهو ما يجعلها مثالية للتعاملات المالية السرية او الخاصة وأخيرا فإن فكرة اللامركزية في إدارة السجلات تساعد على نقل التحكم وصنع القرار من شخص او جهة مركزية إلى شبكة عامة موزعة، بحيث تمنع هذه الشبكات المشاركين من ممارسة السلطة أو السيطرة على بعضهم بطرق تؤدي إلى تدهور وظائف الشبكة فلا يستطيع أي مُشارك التلاعب باي معاملة بمجرد قيام شخص ما من الأعضاء بتسجيلها في سجل الحسابات المشترك للشبكة والذي يُحفظ ويظهر لدى جميع الأعضاء. واخيرا وليس آخرا فإنه وبرأيي الشخصي فإن طريقة سلسلة الكُتل لحفظ السجلات هي طريقة مُهمة وشفافة ذات ثقة ودقة كبيرة، ولكنها ما زالت بحاجة الى كثير من التطوير والحماية على مستوى البرمجة والاستخدام، فهي وبالرغم من كونها كانت قد بدأت كفكرة في العام 1991 ميلاديا، الا انها قد انتشرت بشكل كبير وسريع وخاصة في التعاملات المالية والعقارية وهو ما يجعلها حساسة وهامة، وهنا أستذكر مقولة " أدم درابر" الذي يقول " نظام سلسلة الكُتل يفعل شيئا مهما فهو يستبدل الثقة بالطرف الثالث الى إثبات رقمي ورياضي على حدوث شيء ما ".