هل ينتهي الركود البنيوي؟

المهم أن يتوزع على المناطق والطبقات الشعبية في الواقع، يتباطأ النمو في كل دول العالم لأسباب مختلفة، بعضها مرتبط بتغير المجتمعات من الداخل وبعضها الآخر المعتمد على المواد الأولية متأثر بتدني أسعارها مما انعكس سلبا على الموازنات والحسابات الجارية. النمو مهم جدا لتلبية الحاجات السكانية المعيشية ورفع مستوى الحياة في كل الدول وخاصة النامية. لا تمكن محاربة الفقر إلا عبر النمو الذي ينشر الثروة في كل أنحاء المجتمعات. المهم أن يتوزع النمو على المناطق والطبقات الشعبية وألا ينحصر في مناطق أو عند الأغنياء. هذا هو التحدي الكبير الذي تواجهه كل الحكومات المسؤولة في القرن الواحد والعشرين. عودة النمو تعني هدوء المجتمعات واستتباب السلم الأهلي وتحسن العلاقات بين الناس وتطوير البنية التحتية كما الفوقية. من البديهي أنه لم يكن ممكنا الاستمرار بتواصل النمو لسنوات طويلة متتالية. لكل شيء نهاية ولابد للدورة الاقتصادية من أن تحصل. الأسباب الأساسية للنمو الاقتصادي الغربي كانت لعقود زيادة عدد السكان وارتفاع الإنتاجية عبر البحوث والتطوير، والاثنان متعثران اليوم. من ناحية السكان، النمو الديموغرافي ضعيف وسلبي في بعض الدول بالإضافة إلى رفض هذه الدول استقبال المهجرين لأسباب مختلفة ربما غير اقتصادية في معظمها. يبقى الإنسان القاعدة الأساسية للنمو حتى لو لم يعد دوره كبيرا كالماضي. من ناحية الإنتاجية العامة، تدنت ليس من ناحية كل عامل على حدة وإنما من ناحية دمجهم بعضا ببعض مما يسبب إنتاج سلع فضلى. جمع عوامل الإنتاج في مختبر واحد هو في غاية الأهمية، إذ لابد للإنسان من أن يشترك مع رأس المال والمواد الأولية والطاقة لإنتاج ما تحتاج إليه المجتمعات. تكلم الاقتصادي الأمريكي "روبرت غوردون" في كتابه "النمو الأمريكي" عن "الركود البنيوي" حيث تصعب اليوم في رأيه العودة إلى النمو القوي بسبب تغير أسس وركائز المجتمعات والاقتصادات. يحتاج العالم إلى أفكار جديدة وتقنيات فاعلة تغير نمط الحياة وتسمح للإنسان برفع إنتاجيته في كل القطاعات. فبالرغم من وجود بحوث كبيرة وقيمة تصدر عن الجامعات والمراكز والشركات، لم يعد تأثيرها أو عائدها على المجتمعات كما كان في الماضي. الاكتشافات في مراحلها الأولى تؤثر كثيرا، إلا أن الإضافات تؤثر أقل وهذا شيء طبيعي. في القطاع الطبي مثلا، بين سنتي 2004 و 2014، ارتفعت قيمة البحوث والتطوير العالمية السنوية من 88 مليار دولار إلى 138 مليار دولار أي 20% من موازنة القطاع دون أن تكون الاكتشافات بالمستوى نفسه، أي أن العائد العلمي ضعيف. بلغ مجموع الإنفاق خلال الـ 10 سنوات 1200 مليار دولار، أي ما يفوق مجموعة كبيرة من اقتصادات دول العالم. في الحقيقة، أصبحت البحوث تقنية أكثر والأمراض التي تهدف إلى معالجتها معقدة أكثر، مما يفسر ضعف الأداء البحثي. المطلوب ربما تغيير أهداف البحوث ومحتواها وليس التركيز على تجارب لم تعط نتائج خيرة حتى اليوم. في البحوث كما في القطاعات الأخرى، يستسهل الإنسان أحيانا الطرق الحالية ويمتنع عن تجربة طرق جديدة تغير مسار العمل، خاصة عندما لا يكون متأكدا من أنها ستعطي نتائج فضلى.