كثيرة هي الأفكار التي تجوب خواطرنا وكثيرة هي الأحداث التي تقع في حياتنا، ولكن وحدها تلك الأفكار التي نحولها إلى أحداث ووقائع هي التي تحدث الفرق في واقعنا ومستقبلنا، فهل نمجد الأفكار والمفكرين، أولئك الذين يهيمون دوماً بين الفلسفة والفكر، بين الغيبيات وأهداف الوجود، أم نمجد اليد التي تعمل والجبين الذي يعرق، والحقيقة تقول إن العمل منزوع الفكر لا طائلة منه ولا رؤية ليحققها، مع أنه قد يفضي إلى نتائج إلا أنها ليست مخططة ولا موجهة، بينما أميل أنا إلى أن الأساس هو الفكر، ذلك الذي يميز الإنسان ويرتقي به، وأن قلة من المفكرين في الأمة كفيلون بالنهوض بها إذا توفرت لهم السبل.
إن هذا الكون مليء بأمم غيرنا تعمل بجد مثل النحل أو النمل، وهي تحقق نتائج مبهرة في العمل الجماعي، ولكن عيبها أنها لا تنقل المعرفة ولا تبني الحضارة التراكمية المبنية على إرث الماضي، وبالتالي فإنني أعتقد أنه إذا جاز لنا أن نمجد أحد عنصري النجاح على الآخر، فلا شك أنه الفكر والرؤية والمنهجية والأسلوب، ويحضرني هنا حديث شريف للرسول عليه الصلاة والسلام يقول فيه: «إنما الناس كالإبل المائة لا تكاد تجد فيها راحلة» صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم. والشاهد في الحديث أن العبرة في الفائدة ليست في عدد الإبل ولكن فيما تستطيع أن تنتقي منها راحلة تمتطيها، والنَّاس كذلك ليسوا بكثرتهم ولكن فيمن تصطفي منهم صاحب الفكر الرزين والرأي السديد والعقل الكبير، ولكن المفكر الحقيقي صاحب الرؤية والرأي هو ذلك القادر والواعي لإمكانية وآلية وزمانية تطبيق تلك الأفكار على أرض الواقع، وإلا تحولت أفكاره إلى هرطقة. نحن أمة البشر ميزنا الله بالعقل وكلفنا على أساس ذلك العقل، فباقي المخلوقات مهما بلغت من القوة أو التنظيم أو القدرة على التواصل فهي لن تحاسب يوم القيامة لتدخل الجنة أو النار، فقط نحن البشر، وكان موطن التكليف عقولنا وقلوبنا التي تصنع نياتنا وأفكارنا التي هي محض خياراتنا، فيقول الإمام الغزالي في التفريق بين التفكير والنية من جهة وبين الفعل والعمل من جهة أخرى إن الإنسان مخير مطلق التخيير في فكره ونيته وهو صاحبها دون أي مؤثر خارجي أو توجيه، أما عن التسيير فهو في العمل أي في تهيئة الظروف المناسبة للقيام بتلك النية فالإنسان مسير كل التسيير فيها. إنني أؤمن بأن ممارستنا لإنسانيتنا هي من خلال ممارستنا للعملية الفكرية التي نلوم بها وقربنا وبعدنا من هذا المفهوم هو بنفس النسبة التي نمارس فيها الفكر والتفكر، إشارة إلى قوله تعالى (أفلا يتفكرون) وإلى أن نلتقي على فكر جديد متجدد هذه تحية وإلى لقاء.