البيع على المكشوف... تغيير قواعد اللعبة

البورصات وأسواق المال، هذه التطبيقات والشاشات الدائمة التغير والتي تحمل، مع كل جزء من الثانية ومع كل رمشة عين، مكاسب وأموالا جديدة تُضاف الى حساباتنا، أو مصاريف ونقودا نخسرها فتتبخر وتصبح خارج محافظنا وأصولنا، رصيد مُتحرِّك غير ثابت يتغير باستمرار، فما بين لحظة وأخرى نتحول من خاسرين الى رابحين والعكس طبعا صحيح، عيون تعوّدت أن مُهمتها الأساسية هي أن تترقب الارتفاعات القادمة للأسواق طمعا في تحقيق الأرباح وبحثا عن الاستفادة من فروقات سِعرية لتحقيق أرباح مضاربية أو استثمارية غالبا ما تكون قيمتها مُحدّدة ومُرتبطة بنسبة ارتفاع الأسهم الموجودة في محفظة كل مُستثمر، فالقاعدة الأساسية والمتعارف عليها منذ الأزل واضحة للجميع، وهي وبكل بساطة وبلا أي تعقيدات تقول "اذا ارتفع السوق المالي فان المستثمرين سيحققون أرباحا جيدة، أما اذا انخفض هذا السوق فلا وجود للأرباح أصلا كي يُحققها أحد بل ستكون الخسائر هي القاسم المُشترك بين المُتداولين، وبالتالي سيكون أقصى طموح لأفضل وأذكى هؤلاء المستثمرين هو المحافظة على المكاسب وعدم خسارة أي جزء منها، وسينظر الجميع بعين التقدير والتعجُّب لأكثرهم ذكاء وفِطنة وهو هذا المُتداول الذي استطاع أن يبيع أسهمه قبل الانخفاض فينجو من تلك المصيدة الخطيرة التي أطاحت بمكاسب اغلبية المتداولين، انها وبكل بساطة القواعد الكلاسيكية للعبة، بل هي ألف باء الدخول والاستثمار في البورصات والأسواق المالية، فلا ربح منفرد ولا خسارة يتيمة كلها تحركات جماعية تؤثر على الكل فمن يملك الأسهم يربح مع الارتفاع ويخسر مع الانخفاض ومن لا يملكها لا يربح ولا يخسر وان كان يملك النقد والمال، معادلة بسيطة تمرّد عليها أصحاب الملايين والصبر الضيّق فقرروا البحث عن طرق جديدة لتحقيق الأرباح في كل الحالات والفصول، سنوات من التفكير انتجت فكرة جديدة كانت حلا لهذه المُعضلة، فظهر ما يُسمى " البيع على المكشوف" وظهر كذلك " اقراض واقتراض الأسهم"، وهنا يظهر السؤال المهم، فما هو البيع على المكشوف وما هي علاقته بعملية "اقراض واقتراض الأسهم"؟ وما هي أهمية وتأثير " البيع على المكشوف" على أسواق المال؟ وكيف يستفيد منها المتداولون؟ أولا وقبل كل شيء فإنه وقبل الحديث عن مصُطلح "البيع على المكشوف" فإنه يجب معرفة المقصود بفكرة "اقراض واقتراض الأسهم" وهي عملية يقوم بها شخص بإقراض عدد مُعين من الأسهم أو الأوراق المالية لشخص آخر وبالتالي يُصبح هذا الأخير "المُقترض" هو من يملك قرار البيع أو التصرف بهذه الاسهم لفترة مُحددة من الزمن، على أن يقوم المُقترض بإعادة الأسهم والأوراق المالية كاملة الى " المُقرض" وهو صاحب الأسهم الأساسي وذلك بعد انتهاء المُدة المُتفق عليها، أما " البيع على المكشوف" فهي عملية يتم من خلالها بيع السهم أو الورقة المالية المُقترضة مُسبقا، على أن يتم شراؤها لاحقاً بسعر أقل بهدف اعادتها لصاحبها الأساسي، وبالتالي تحقيق ربح مساوٍ للفرق بين سعر البيع على المكشوف وسعر الشراء لاحقا. وببساطة فإن عمليات البيع على المكشوف، عبارة عن اقتراض ومن ثم بيع أسهم أو أصول يعتقد المستثمر أن سعرها السوقي سينخفض مُستقبلا، وذلك بهدف أن يقوم البائع نفسه بإعادة شرائها لاحقا وبتكلفة أقل ليعيدها للشخص الذي اقرضه إياها ويُحقِّق بذلك أرباحا ناتجة من الفرق بين سعر البيع المُرتفع وسعر الشراء المُنخفض، ولتوضيح ذلك فإننا سنفترض أن المُستثمر "س" يملك 100 سهم بسعر "10" ريالات للسهم لتبلغ قيمتها السوقية "1000" ريال وهو شخص يرغب بالاحتفاظ بهذه الأسهم لفترة طويلة بهدف الاستفادة من توزيعاتها السنوية، أما المُضارب "ص" فهو شخص لا يملك الأسهم لكنه يعتقد انه وعلى الفترة القصيرة فان سعر هذه الأسهم سينخفض ولذلك فقد قام هذا الشخص "ص" بطلب اقتراض تلك الأسهم لمُدة شهر من "س" الذي وافق بدوره مقابل اجر مُعين وعلى أن يستعيد جميع أسهمه بعد شهر واحد، وما ان تم الاتفاق حتى قام "ص" ببيع هذه الأسهم فورا بنفس السعر السوقي وهو "10" ريالات نظرا لتوقعاته بانخفاض سعرها لاحقا، فحصل على "1000" ريال نقدا، وبعد انقضاء الشهر كان سعر السهم "9" ريالات فقام "ص" بشراء "100" سهم بمبلغ "900" ريال واعادها للمُستثمر "س" بالإضافة الى اجره عن ذلك وهو مبلغ "10" ريالات، وبشكل سريع وتحليل بسيط لما حدث فان المُضارب "ص" استطاع من خلال هذه العملية ان يربح ما قيمته "100" ريال من خلال شراء نفس عدد الأسهم بسعر اقل وهو "9" ريالات مُقارنة مع سعر بيعه وهو "10" ريالات دفع منها "10" للمُستثمر "س" فبقي له "90" ريالا ربحا صافيا، اما المُستثمر "س" فقد حصل على "10" ريالات بالإضافة الى استمرار احتفاظه بال"100" سهم للفترة الطويلة، وبذلك فان العملية السابقة قد حملت المنفعة للطرفين. هذا ومما هو جدير بالذكر أن طرق التداول السابقة وبالرغم من صعوبتها بالنسبة للبعض الا أنها من الاستراتيجيات المُهمة وخاصة في حالة الأسواق الهابطة والتي تجعل من بعض المُستثمرين يرون في جائحة كورونا مثلا بابا عريضا للرزق والارباح، فانخفاض السوق ليس بالضرورة فترة سوداء داكنة تجعلنا امام خسائر مُحقّقة بل هي بالنسبة لهم أزمة يُمكن من خلالها تحقيق أرباح استثنائية، فكما قال المثل القديم " الازمات تصنع الثروات"، وهنا يُمكن الإشارة الى أهم إيجابيات عملية البيع على المكشوف وهي انها عملية تزيد من السيولة وترفع حجم التداول بالأسواق وخاصة في فترة الهبوط، كذلك فان التعامل على المكشوف يفتح بابا جديدا للمُضاربة والتي يمكن من خلالها تعظيم الأرباح بغض النظر عن توقعات السوق القادمة، وهنا أيضا يجب العلم بأن مخاطر التعامل بهذه الطريقة هي مخاطر كثيرة وكبيرة، حيث يأتي على رأسها إمكانية عدم تحقق التوقع بانخفاض الأسعار وبالتالي ارتفاع سعر السهم الذي تم اقتراضه وهوما قد يجعل من نفس المُستثمر او المُقترض يعاني من خسائر كبيرة قد تفوق توقعاته، ولذلك فانه ومن المُتعارف عليه ان هذه العملية وفي معظم أسواق المال هي عملية خاصة بالمُحترفين والمُؤهلين الذين يُجيدون التعامل بها فقط. وأخيرا وليس آخرا فإنه وبرأيي الشخصي فإن عملية البيع على المكشوف هي عملية لا تختلف كثيرا عن الشراء على الهامش فنحن وفي حالة الشراء على المكشوف او على الهامش نقترض المال لشراء الأسهم التي نتاجر بها ونربح لنعيد المال بعد بيعها لمن اقرضنا إياه، أما هنا وفي حالة البيع على المكشوف فإننا نقترض الأسهم وليس المال فنبيعها ونُتاجر بها بهدف تحقيق الارباح قبل إعادة شرائها مرة أخرى وذلك لإعادتها لمن اقترضناها منه، فالاقتراض هو نفسه والسداد هو نفسه أم الفرق فهو يكمُن في هذه الحالة في نوع الأصل الذي يتم اقتراضه وهو بتقديري الامر الذي لا يؤثر على العملية نفسها بقدر تأثيره على حجم المُخاطرة الناتجة عنها، وهنا أتذكر مقولة المؤلف ورجل الاعمال "مايكل كوفيل" الشهيرة حين قال "يجب أن يتلخص تداولك في القواعد وإدارة الأموال، وهذا كل شيء".