الحرب الاقتصادية من أقدم أنواع الحروب التي عرفتها البشرية وهي الحرب التي تقوم كنوع من الصراع على الموارد الاقتصادية وتملك الأسواق الدولية ومصادر الطاقة والماء، وهي ذاتها الأسباب الأساسية للحربين العالميتين الأولى والثانية، وحتى منتصف القرن العشرين كان يتم تنفيذ تلك الحروب، ولقد كانت الحروب الاقتصادية في القرون الماضية غير واضحة باستخدام القوة العسكرية والاستعمار الذي انتشر في جميع أنحاء العالم في بداية القرن التاسع عشر، إلا أن تلك الصورة تبدلت وتغيرت الآن، وحلت صور الاحتلال الاقتصادي والسيطرة على الأسواق من خلال حركة الواردات ورؤوس الأموال محل القوة العسكرية. وتجلت أعظم صور ذلك الاحتلال وآلياته فيما عرف مؤخرًا بالعولمة والنظام العالمي الجديد وهو ما كان له آثاره المدمرة ونتائجه الخطيرة خاصة على الدول النامية. حيث تطورت الحروب العالمية من حروب عسكرية فتاكة إلى حروب اقتصادية أكثر ضراوة ولكن بدون دماء، وقد ظهر مصطلح الحرب الاقتصادية قبيل اندلاع الحرب العالمية الثانية كدلالة على أهمية العامل الاقتصادي في الحروب. حيث يعد لودندروف أحد مساعدي هتلر، من أوائل القادة العسكريين الذين آمنوا بضرورة توافر عوامل أخرى وخاصة اقتصادية إلى جانب القدرة العسكرية لأي دول للفوز في الحرب. ومن أشهر الحروب الاقتصادية التي تم شنها ذلك الحصار الاقتصادي الذي فرضه نابليون بونابرت على بريطانيا عام 1806 عن طريق حظر التجارة بينها وبين موانئ القارة الأوروبية وإخضاعها لما يعرف بالنظام القاري، والحرب التي شنها الرئيس الأمريكي آيزنهاور لكي يجبر بريطانيا على الانسحاب من قناة السويس في عام 1956، والحصار الذي فرضته منظمة الدول الأمريكية على نظام فيدل كاسترو في كوبا عام 1964، والحظر الذي فرضته الدول العربية على تصدير النفط إلى الولايات المتحدة الأمريكية خلال حرب أكتوبر عام 1973، ذلك بالإضافة إلى الحرب الاقتصادية القائمة إلى يومنا هذا والتي تشنها الدول الغربية بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية ضد روسيا في صورة عقوبات على الأخيرة لتورطها في الحرب في أوكرانيا، ولا يسعنا أن ننسى الحرب الاقتصادية الأمريكية ضد إيران في سياق حزمة العقوبات المفروضة عليها بسبب برنامجها النووي، إلى جانب الحرب النفطية المستعرة حالياً، وحروب أسعار الصرف وإحداث قلاقل وانهيارات في عملات الدول المحلية لصالح مضاربين دوليين، وحروب الفيروسات والتكنولوجيا الحديثة، وحروب التجسس الاقتصادي، وحروب تمويل الإرهاب الأسود، وحروب عمليات غسل الأموال القذرة الناجمة عن عمليات تجارية مشبوهة. إذا فالحروب لم تعد تقتصر على الأسلحة الثقيلة والجنود بالزي العسكري، فربما يكون المحارب يرتدي ملابس مدنية ويعمل في إحدى المؤسسات الاقتصادية أو الإعلامية، وربما يكون متخصصاً في تكنولوجيا المعلومات يتفنن في قرصنة المواقع وتدمير شبكات الاتصال في دول بعينها، وقد يكون أيضاً شخصا بارزا يتحدث بلباقة لينشر أفكارا معينة تخدم مصالح الدول التي تموله.