أميركا والصين

 مع العيد المئة لتأسيس الحزب الشيوعي الصيني في 172021، لا نبالغ اذا قلنا ان الصين هو الاقتصاد الأنجح في العالم. ربما تختلف الآراء حول الطرق والسياسات والخطاب الديمقراطي والحريات وغيرها، لكن الجميع يعترف للصين بالتفوق. قال "هنري كيسينجر" في كتابه عن الصين أن مشكلتها هي أنها تقع بين قوتين كبيرتين أميركية وروسية، وبالتالي عليها مراقبتهما سوية وربما مواجهتهما. طبعا ليست روسيا اليوم قوية كما كان الاتحاد السوفياتي، لكنها تبقى قوة عسكرية استخباراتية ضخمة. هنالك فارق بين الطريقتين الأميركية والصينية في العمل. للصين نظرة شاملة الى الأوضاع لأنها تدرك ارتباط الأمور بعضها ببعض. أما أميركا فتعالج عموما كل مشكلة على حدة أو "على القطعة". أميركا تريد تصدير ثقافتها وقيمها، بينما الصين تكتفي بتقوية نفسها وتحصر نفوذها عمليا في آسيا. الصين القوية في آسيا هي أيضا قوية عالميا. المنافسة مع روسيا واليابان وكوريا الجنوبية وغيرها ليست سهلة ويجب التركيز عليها. ترفض الصين أن تتشكل قوة كبرى على حدودها تهدد أمنها. تفضل الصين أن تكون دول الجوار مقسمة سياسيا لكن مستقلة، ولا تريدها تحت سيطرة بيجينغ المباشرة. تكتفي الصين عموما بما لها وليست لها طموحات خارجية في الأرض، لكنها ترفض في نفس الوقت الاعتداء عليها. لا تعتقد الصين أن لها مصلحة في استيراد النظريات لأن الأفكار الجيدة تنبع منها. لا ضرورة بل لا مصلحة للتعلم من الخارج وأن الآخرين سيأتون اليها للتعلم. تاريخيا ونسبيا كانت الصين قوية جدا. خلال 18 قرنا سابقا من بين ال 20، كان الناتج المحلي الاجمالي الصيني أكبر من ناتج أي مجتمع غربي. في سنة 1820، أنتجت حوالي 30% من الناتج العالمي أي أكثر من الناتجين الأوروبي والأميركي مجتمعين. ازدهار التجارة الخارجية الصينية هو مؤشر بالنسبة للصينيين الى التفوق الاقتصادي. أزعج ذلك الرئيس السابق ترامب الذي اعتقد أن العدالة التجارية غائبة ولا بد من التصحيح عبر التعريفات الجمركية. لكن الصين لم تتأثر سلبا بالتعريفات لتنوع صادراتها في السلع والجغرافيا. حاول ترامب أيضا التضييق عليها في وسائل التواصل الاجتماعي لكنه لم ينجح لأن الأميركيين مدركون ومتعلقون بالانتاج الصيني الجيد الذي يبقي التضخم محدودا. كذلك اتهامات الرئيس الأميركي للصين بشأن الكورونا وتصديرها لم تلق الصدى الداخلي المطلوب قبل الانتخابات. أتى الرئيس بايدن ليحاول تصحيح العلاقة، لكنه أبقى على التعريفات الجمركية لأسباب سياسية داخلية وبسبب عدم الثقة الواضحة تجاه القوة الصينية المتزايدة. فالتحالف الأخير مع بريطانيا واستراليا بشأن الغواصات هو دليل أكيد على ذلك. اختلاف المنهجية بين الجبارين يعود الى اختلاف التاريخ كما الثقافة. اذا كانت أكثرية المواطنين العالميين تعرف مبادئ المنهجية الأميركية، فهي تجهل الطريقة الصينية في العمل. هنالك ضرورة للتعرف أكثر على الصين لأنها تلعب دورا عالميا كبيرا ومن المرجح أن يصبح أكبر. المصالح مختلفة والنظرة الى العلاقات الدولية متباينة وتعتمد على القوة.