هذا التراب المقدس، تلك السماء هناك، ذات السماء التي طالما ذرفت دموع الرحمة على أبناء شعبي لقرون لا تعد، والتي كانت تبدو لنا أزلية وعصية على التغيير، ربما تتغير.. هي اليوم صافية، لكنها ربما تحتشد غداً بالغيوم، لكن كلماتي كالنجوم لا تتغير أبداً.
وتابع سياتل قائلا: مر زمن كان فيه أبناء شعبي يغطون الأرض مثلما يغطي البحر الذي نفشته الريح من قاع البحر المعبد بالمحار. لكن ذلك الزمن مضى وانقضى مثلما عظمة تلك القبائل التي لم تعد الآن سوى ذكرى مخنوقة بالنشيج.
سياتل آخر زعماء الهنود الحمر وبعد آخر معركة أدرك فيها أن الزمن لم يعد زمنه بعد أربعمائة سنة من دخول كولمبس وبعد مذابح لشعبه تجاوزت المائة مليون قتيل، كان التغيير واقعاً مفروضاً ولكنه وفِي خطبته الشهيرة والأخيرة قال إن أرواح أجداده ستبقى تحوم حول هذه الأرض وأنه إذا تمكن الرجل الأبيض من الأرض فلن يستطيع هو أن يبيع ضوء الشمس ولا الريح ولا حتى نجوم السماء.
حقيقة، كانت قراءة مفعمة بالعاطفة والحكمة عند الاطلاع على خطبة سياتل والذي سُمِّيَت مدينة سياتل الأمريكية على اسمه ولكن ومع تعدد المقاصد وراء ذكر خطبة سياتل والهنود الحمر، إلا أن المعنى الذي أردت التركيز عليه هو فكرة تقبل التغيير عندما لا يكون هناك خيار إلا هو، وبين البكاء على أطلال الماضي مع الاعتزاز به والقبول بالحاضر والأمل الحزين به.
فمع سرعة وتيرة تغير معطيات الحاضر وتحالفات الأمس وشركاء المستقبل، يبدو المشهد شديد الغموض والتعقيد ويلقي ظلاله على كل الخطط والإستراتيجيات، وبالإسقاط على واقع الإنسان والوحدات الاقتصادية المتوسطة والكبيرة تجد نفسها أحياناً مرغمة على التخلي عن ماضيها العريق وواقعها الناجح والتحول إلى حالة السبات الأشبه بالموت السريري، ولكن هنا تبرز الحكمة وهي أن الروح المنتجة المعطاءة الشغوفة تستطيع أن تعود إلى الحياة في أي وقت فقط عندما تتوفر لها أبسط سبل الحياة، مثل بعض الأسماك النهرية والتي تدفن نفسها في الطين عندما يجف الماء وتبقى أشهرا طويلة في حالة استعداد حتى يعود المطر ويتدفق الماء من جديد فتعود إلى الحياة من جديد.
فلنبقي تلك الروح المقدسة بمعزل عن رماح الواقع، وهذا ما يعرف بالتراكم الحضاري الذي لا يموت وتلك هي الخبرات التي لا تزول وتلك هي العقول المنيرة التي لا تخبو، ومع كلمات سياتل للرجل الأبيض في وداعه الأخير أترككم وهذه تحية.
«إن رفات أسلافنا ومقدساتنا والثرى الذي يضمهم جليل، أما أنتم فتجولون بعيداً عن قبور أسلافكم وكأنما دون أن يعروكم ندم. ودينكم كتبته أصابع ربكم الحديدية على ألواح حجرية بحيث لا تملكون له نسياناً». وإلى لقاء.