التشخيص المالي.. نصف العلاج

في عالمنا الحديث ومع انتشار الأمراض بين الناس، أصبحت مهنة الطب هي المهنة الأهم وذلك نظرا لارتباطها الوجودي بالإنسان نفسه، ففي الفترات الأخيرة وبعد انتشار جائحة كورونا مثلا أدركت معظم الدول أهمية هذه المهنة على جميع المستويات، فبتنا نسمع ونرى يوميا دلالات التقدير والاحترام الكبير الذي يحظى به العاملون في هذا القطاع، فالجيش الأبيض كما أُطلِق عليه مؤخرا (الأطباء والممرضون والعاملون بالقطاع الطبي) بات من أهم الجيوش على المستوى الاجتماعي أو الإنساني أو حتى الاقتصادي، وبالحديث عن عالم الأمراض فيجب التنويه وبشكل مباشر إلى أن الشركات هي كالأفراد تمرض وتتعب بل حتى تشيخ وتموت، وكما البشر فالشركات أيضا بحاجة لجيش أبيض يأخذ بيدها إلى بر الأمان ويصف لها علاجا ودواء حتى تستمر على قيد الحياة. ومن هنا ودون الخوض بتفاصيل رحلة علاج الشركات، فإنه من المهم الإشارة إلى حقيقة مهمة وهي أن تشخيص المرض وبالرغم من كونه الخطوة الأولى في هذه الرحلة إلا أنه الخطوة الأكبر والأهم، بل حتى أن البعض اعتبره نصف العلاج وأساسه، وهو ما سُمي لاحقا بالتشخيص المالي، فما هو التشخيص المالي؟ وكيف يتم؟ وما هي أهميته؟ من الناحية اللغوية فإن كلمة تشخيص ذات مصدر يوناني وتعني القدرة على الإدراك وهي مستخدمة بشكل واسع في ميدان الطب، حيث تشتمل على تحديد طبيعة المرض عبر ملاحظة الأعراض وتحديد الأسباب، أما من الناحية الاقتصادية فإنه يمكن تعريف التشخيص المالي على أنه عملية دراسة وتحليل للمعلومات المقدمة بهدف إيجاد حل للمشكلة المطروحة وإعطاء التوصيات اللازمة لتفادي تكرار هذه المشكلة، وبالتالي فالتشخيص المالي يقوم على دراسة وتحليل البيانات والمؤشرات المالية للشركة، مما يسمح لاحقا بتوفير المعلومات الضرورية لاتخاذ القرارات والحلول، وبشكل بسيط فإنه يمكن تعريف التشخيص المالي للشركة بأنه «تحليل بيانات ومؤشرات الشركة بهدف تحديد أماكن الخلل والتي تؤثر سلبا على إيرادات وأرباح الشركة وهو ما يسمح بإيجاد حلول حقيقية لاحقا». وبالحديث عن أهمية التشخيص المالي للشركات فإنه يمكن تلخيصها بما يلي: يسمح التشخيص المالي بكشف نقاط قوة الشركة وبالتالي استغلالها بشكل أمثل، كما أنه يسمح أيضا بكشف نقاط الضعف وتوضيح أسبابها للتخلص منها لاحقا. يساعد في تحليل القدرات والإمكانيات الحقيقية للشركة وبالتالي تقييم الأداء الإداري والمالي وهو ما يؤدي إلى تقييم شامل للقرارات الإدارية ومن ثم تحديد أماكن الخطأ والصواب وهو الخطوة الأساسية لبناء إستراتيجية عمل ناجحة. يساعد في تحديد وتقييم الوضع المالي للشركة وهو ما يساعد في اتخاذ قرارات مصيرية يأتي على رأسها قرارات الاستثمار والتوسع، كذلك فإنه يساعد في دراسة التدفقات النقدية وبالتالي وضع خطة مالية تسمح بتسيير النقد والتحكم في السيولة لتسهيل أعمال الشركة. يساعد في التنبؤ بالوضع المستقبلي للشركة وتحديد المشكلات التي قد تواجه العمليات والأقسام قبل وقوعها وهو ما يعطي الوقت الكافي للإدارة لإيجاد أفضل الحلول الممكنة في حال وقوع هذه المشاكل. وأخيرا وبرأيي الشخصي وبالرغم من أهمية الوقت إلا أن التشخيص الصحيح للخطأ ومعرفة أسبابه يبدأ بالدراسة الوافية لكل المعلومات المتوفرة في الشركة وهو ما قد يحتاج وقتا طويلا للجمع والتحليل وحتى للاستماع للعاملين والموظفين في الشركات دون ملل أو تسرُّع، ففي زمن التغير السريع في الأسواق وفي مزاج المستهلكين، حتى أدق التفاصيل باتت تحمل في طيّاتها أهم الحلول، وهنا أستذكر قصة أخبرتني بها والدتي الحبيبة في أحد الأيام حيث قالت لي: «جلس مجموعة من أشهر وأفضل الأطباء في مطعم، وبينما هم يتحدثون اقترب منهم رجل يعرج في مشيته، وقبل أن يسألهم شيئا بادر الطبيب الأول وقال: أعتقد أنك مصاب بالتهاب في مفصل الركبة وبالتالي فإنك تحتاج لعملية فورا، أما الثاني فقال: إنه مجرد التواء في الكاحل، أنت تحتاج لمُسكِّن للألم وراحة لعدة أيام، وهنا صاح الطبيب الثالث فورا: هذا خلل في خلايا الأعصاب وبالتالي أنت تحتاج إلى علاج فيزيائي، وقبل أن يُكمل جملته، قال الرابع: الموضوع خطير أعتقد أن لديك بداية شلل نصفي ولا بد من إجراء فحص شامل قبل اتخاذ أي قرار، وهنا ضحك الرجل كثيرا، وعندما سأله الأطباء الغاضبون عن سبب ضحكه، أجاب أيها الأطباء أنا لم آتِ للاستشارة الطبية، أنا أتيت فقط لأسألكم عن أقرب إسكافي لإصلاح حذائي، فالمسمار بداخله هو ما يجعلني أعرج عند المشي».