ما هي قصة هذا المعدن النفيس؟ الذي استحوذ على قلب الإنسان واشتغل به عقله وعمل لأجله فكره، وتعلقت به نفسه، وتعمقت علاقتهما في عشق أبدي لم تهدأ حرارته ولم تفتر مشاعره وأحاسيسه عبر جميع الحقب التاريخية التي شهدت سلسلة من التحولات في بنية الحياة والطفرات العلمية الهائلة، استغنى فيها الإنسان عن أنماط وتقاليد وأعراف وأنشطة وممارسات وعملات ومعادن وسلع وسقطت إمبراطوريات وحضارات ونشأت أخرى. فيما ظل الذهب رمزا للثروة والوجاهة والفخامة والأبهة والجمال، وضمانة للمستقبل، ومحفزا للأسواق والنشاط التجاري والازدهار المعيشي، ومؤشرا لقوة الاقتصادات والدول وضعفها، نموها وانكماشها، ومؤسسا لأنظمة مالية وسياسية وحضارات، وربطت قيمته الحقيقية بالنقد المتداول، وقاد إلى حروب وصراعات من أجل امتلاكه والسيطرة على خزائنه والاستحواذ على منابع استخراجه؟ ما السر الذي جعل من الذهب ملاذا آمنا لكل البشر، أغنياء وفقراء لا تهتز قيمته إلا في إطار الهوامش المحدودة التي لم تشكل يوما خطرا على من يملكونه ويتاجرون به ولا استنزافا لقيمته، باعتبار ذلك الهامش ضرورة من ضرورات التجارة وجني الأرباح وفيه صيرورة استمرار حركة تداوله وبيعه وشرائه بذات النشاط والإقبال الذي كان عليه منذ آلاف السنين؟ لماذا تنهار اسواق المال والعملات والعقار والوقود. وتصيب الأمراض والانكماشات والانهيارات الاقتصادات العالمية في دورات زمنية متعاقبة، فيما يظل الذهب قويا صلبا في منأى عن كل الأزمات والتوترات والقلاقل، بل وتزداد تبادلاته التجارية نشاطا وأسعاره في ارتفاع وقوة؟ ما هو الإغراء أو السر أو الفتنة التي يبهر بها الذهب ويقدمها ويأسر بها قلوب البشر ليبقى متربعا على عرشها، هل هو لون بريقه الذي سلب لبهم، أم شكله الأخاذ وقوالبه الآسرة وجماله الفتان، أم لأنهم وجدوا فيه الرمز والقوة والقدرة على مقاومة التغيير والذبول، وخلود هيئته وبقاء شكله ولونه وقيمته براقة نشطة تزداد جمالا ولمعانا مع مرور الأيام والسنوات والقرون؟ أم لأنهم اتفقوا على أنه الأنسب والأفضل والأضمن لمعادلته بنقودهم وعملاتهم وثرواتهم ومعاملاتهم؟ فظلوا على الوفاء له خوفا من أن يقوض اقتصاداتهم فيما لو استغنوا عنه؟ ما هي التحولات التاريخية التي مر بها الذهب وما طبيعة علاقته بالإنسان على مر العصور؟ العدد "٤٦٦" من سلسلة "عالم المعرفة" "الذهب التنافس على أكثر معادن العالم إغراء" لكاتبه "ماثيوهارت" وترجمة "محمد مجد الدين باكير"، تناول "دور الذهب على مر العصور..." وتطور علاقته بالإنسان والتحولات التاريخية التي طرأت على قيمته، متسائلا عن الدافع الحقيقي لاستحواذ "الذهب على عقول البشر وأفئدتهم" درجة أنه "فتنهم ببريقه منذ تشكل الحضارات ونشوء المجتمعات وتطورها"، حيث "شهدت علاقة الإنسان بهذا المعدن النفيس تحولات درامية خلال مسيرة الحضارة البشرية"، فقد "كان الذهب رمزا للحياة الأبدية؛ لما تميز به من خصائص فريدة، لعل من أهمها ديمومته وقدرته على الصمود في وجه الزمن"، واختير ليكون رفيقا للموتى، و"عونا لهم في طلب الخلود"، كما كان في الماضي وحتى اليوم "رمزا للثروة والرخاء والمكانة الاجتماعية". المقالات القادمة سوف تقدم قراءة موجزة لما تضمنه كتاب "الذهب التنافس على أكثر معادن العالم إغراء".