ضربة العُمر.. حقيقة أم سراب

يولد الإنسان وتولد أحلامه معه، تمر الأيام والسنوات ليكبر الإنسان وتكبر معه هذه الأحلام، فها هو في طفولته يحلم بلعبة صغيرة أو قطعة من الحلوى اللذيذة، وبعدها، وما أن يبدأ في مرحلة التعليم حتى يحلم بالتفوق والنجاح، ومن ثم يمر بفترة الشباب والتي تتحول فيها أحلامه إلى المقتنيات الثمينة والمناصب الإجتماعية الرفيعة، وما أن يبدأ بحياته العملية حتى تبدأ أحلام النجاح والثراء تغزو حياته وأفكاره بل وتتحكم بأعماله وإستثماراته بإنتظار أن يُحقّق ضربة العمر وهي عمل أو صفقة أو إستثمار ينقله من مرحلته العادية إلى مرحلة ومستوى مادي جديد ليصبح من بعدها من ضمن قائمة الأثرياء والناجحين، وهنا يأتي السؤال فهل ضربة العمر موجودة بالفعل؟ وما هي شروطها وأُسُسها وكيف يمكن تحققها؟ بداية فإنه يجب التأكيد على أن الرزق بيد الله تعالى، وبالرغم من أن مراعاة تطبيق العدل وحفظ الحقوق والإبتعاد عن الحرام هم من أهم شروط الرزق الحلال، إلا أن تحديد الأهداف والسعي المستمر والعمل الجاد الدؤوب المبني على دراسة صحيحة وواقعية للأسواق تعتبر أيضا من أهم معايير النجاح المهني وتحقيق الثروات وبالتالي فإن الفرصة التي يحتاج وجودها إلى الحظ والصدف أحيانا، تحتاج بلا شك لإمكانية الإستفادة منها وتحويلها إلى واقع ملموس إلى جهد وفير وعمل جاد وهو الفيصل الذي قد يجعل منها فرصة ضائعة أو ضربة للعُمر.  كثير من الناس يؤمنون ان لكل إنسان فرص متساوية في الحياة تمر أمامه كما أمام غيره ولكن جهوزية وإستعداد هذا الإنسان وعمله الجاد وإمكانياته المهنية وقدراته المتطورة على إلتقاط الفرص هي ما قد يجعله قادرا على تلقفها وتحويلها إلى واقع ملموس، ومن هنا فإن من أهم شروط تحقق «ضربة العُمر» ما يلي: تحديد الأهداف والإستعداد التام والكامل لتحقيقها، مع مراعاة الإستمرار بالتعلم المستمر لرفع مستوى الكفاءة والفعالية عن طريق تراكم الخبرات والعلوم وهو ما يجعل الشخص أكثر قدرة وسرعة على تحقيق أهدافه. مراعاة الضوابط الدينية والإنسانية والإبتعاد عن المحرمات وكذلك العمل ضمن بيئة عمل حقيقية تجذب إليها فرصا جديدة ومتنوعة والإبتعاد عن الأجواء السلبية السيئة والتي تُعتبر طاردة للنجاح والإبداع. عدم الإنجرار وراء الأوهام والأحلام الوردية وبالتالي الركض وراء سراب الثراء السريع والذي يعتمد على الحظ، فالربح الوفير يحتاج إلى فكر سديد وقرارات حكيمة وعمل شاق يقوم به صاحب العمل ليعطي لأعماله قيمة مضافة تمكنه من تعظيم الأرباح. وأخيرا وبرأيي الشخصي فإن النجاح المادي والمهني وحتى تحقيق الثروات والأموال وبالرغم من كونه يحتاج الى مزيج مُنوّع من المهارات والأعمال والأخلاق المهنية والمبادئ الإنسانية إلا أنها تبقى جميعها مكملات لعامل رئيسي ألا وهو العمل الجاد الدؤوب، والذي وإن إختلف من شخص إلى آخر إلا أنه يبقى أساس أي نجاح، فلا شيء ضروري لتحقيق النجاح وتخطي العراقيل بعد التوكل على الله أكثر من المثابرة و الإخلاص، وهنا أتذكر كتاب «كليلة ودمنة» لإبن المقفع، والقصة التي تقول «أن راعيا كان يحصل من أحد التجّار في كل يوم على كمية من السمن والعسل، فكان يأكل منه حاجته ويحفظ الباقي في جرة يعلقها في سقف البيت، وبعد فترة امتلأت هذه الجرة، وبينما كان هذا الراعي مستلقيا على ظهره والعكازة في يده، والجرة معلقة فوق رأسه، وقع نظره على الجرة الممتلئة وفكّر في سعر بيع ما فيها من السمن والعسل، فأخذته الاحلام وقال: سأبيع ما في هذه الجرة وأشتري بثمنه عشرة عنزات ليحلبن ويلدن كل خمسة أشهر، وبعد قليل من الزمن تتكاثر وتصبح عنزات كثيرة، وما هي إلا عدة سنوات حتى تزيد عن الأربع مائة عنزة، وهنا أغمض عينيه وأكمل: حينها سأبيعها وأشتري بها مئة بقرة لأتاجر بحليبها و لحمها، فلا يمرعليَّ بعدها خمس سنوات إلا وقد أصبحت أملك مالاً كثيراً، وعندها سأبني بيتاً فاخرا وأتزوج إمرأة جميلة، ثم يرزقني الله بغلام صغير أُربِّيه ليفعل ما أطلبه منه، وهنا إنفعل الراعي وتغيرت معالم وجهه وصاح: وإذا لم يفعل سأضربه حينها بهذه العكازة، وحرّك يده بالهواء وتخيّل كيف سيضرب إبنه وذهبت يده بإتجاه الجرّة فأصابها وكسرها، وسال ما فيها من سمن وعسل على الأرض، فذهبت أحلامه سُدى وخسر كل شيء، ليبدأ مرة أخرى بجمع العسل والسمن من جديد».