قد يحدث أن يشتبك متعصبون عقب أو أثناء مباراة بين ناديين.. أما أن تجد نفسك مشاركا في عملية فض عراك بين اثنين من مواطنيك اختلفا حول احداث مباراة بين برشلونا وريال مدريد ومن منهما يحصل على خدمات الحكام فهو مالم يخطر على بال.. ولقد وجدتني اتقمص شخصية عجوز حكيم فأشرح لأحدهما كيف ان الأمر لايستحق العراك..وأن كرة القدم مجنونة وساحرة نعم ، لكنها ليست سوى قطعة جلد منفوخة بالهواء، وأن الرياضة بشكل عام تعلِّمنا الانضباط والتعاون والأخلاق..والروح الرياضية، وأن كرة القدم -وإن كانت ساحرة- لا تدعو لأن نتعارك على مباريات تجري وراء البحار حيث منافسات اندية اسبانية وانجليزية وايطالية والمانية..الخ .. لأن الشجار والعراك في هنا يصبح مأساة في صورة ملهاة.. وعجبت وأنا اعرف ان احد الشابين المتعاركين عاطل عن العمل كيف يظهر كل ذلك الغضب في خلاف حول هزيمة فريق اوروبي ولا يغضب لهزيمته في الحياة..؟وكيف أن صراع الآخرين على (البطولة) انسَته -وقد بلغ الثلاثين- أن ينشغل بالتخلص من (البطالة..؟) قلت في نفسي.. هل يعرف عاطل عن العمل كم يقبض لاعب مثل ميسي او كريستيانو رونالدو حتى وهو في حالة نوم..وعجبت كيف يرحل نجم كروي عن ناديه ومع ذلك يبقى هذا اللاعب في دائرة الاشتباك الكلامي بين مشجعي التنافس التقليدي لناديه القديم.. وكل من يتابع منافسات كرة القدم سيلاحظ أن الوقت الذي ينشغل فيه المشجعون انفسهم بمناقشة ماجرى في مباراة اكبر بكثير من زمن المباراة وأكبر من الزمن الذي يقضيه اللاعبون في التمارين.. وكانت منافسات كرة القدم وماتزال مجالا للتعبير عن مواقف المتفرجين المتحمسين امام الشاشات والمجالس والديوانيات والقهاوي وأماكن العمل في اليوم التالي على مباريات الاثارة التنافسية.. اما اليوم فقد ارتفعت حمى المتابعة والجدل..وتجاوز بعض عشاق الفرق الرياضية ماهو معروف او مفروض الى ماهو مرفوض.. وفي حياتنا اصدقاء يضطر عند هزيمة فريقة المفضل الى اغلاق هاتفه وينام مبكرا دون ان يعشي الدجاج، وقد يطلب اجازة طارئه من عمله حتى يتجنب تعليقات الشامتين.. والأمر يذكِّرني بالراعي اليمني الذي قال بعد ان اكل الذئب إحدى شياهه..ماهمِّني ما أكل الذئب وإنما شماتة الرعاه..! قد يبكي مشجعا لخسارة فريقه المحلي لانتمائه الشديد لقمصان ناديه المحلي المفضل أو لهزيمة منتخب بلاده، وهذا مايمكن قبوله،بل واعتباره احد علامات الانتماء الجميل ، أما ان تكون المنافسات الكرويه هناك في البعيد وانت في مكان قصي تعاني هزائمك الحياتية والمعيشية وفي نفس الوقت تشتبك مع آخرين بالأيدي او بالعنف الكلامي الذي يتلف أعصابك عند الهزيمة ويقودك بما يشبه الهلوسة فإن الأمر يندرج في اطار مازاد عن حده انقلب الى ضده.. كرة القدم ايها الأحبة رياضة ساحرة نعم، بل ومجنونه ولكن.. لايعني ذلك أن يفرط بعضنا في الجنون، ويصل درجة الاشتباك والعنف على النحو الذي اشرت اليه سابقا و(طِبق الأصل..) والعتب ليس على كرة القدم بما تمتلكه من عناصر السحر الإبهار وإنما على اعلاميين ومعلقين رياضيين لا تنقصهم القدرة على صناعة الإثارة وشد الاعصاب ولكن بتهويل مفرط ومبالغة حرّاقة تفعل فعلها التدميري لأعصاب بعض المشجعين.. وتبلغ حساسية البعض لأن يذاكر كل شيئ قبل ان يخوض فريقه المفضل مباراة حساسة فيستعد الواحد لأن يكون في حالة جاهزية ذهنية وحفظ أرقام وحكايات يمكن استخدامها في تحسين موقفه الجدالي بعد المباراة سواء فاز ناديه المفضل أو وقع في فخ الهزيمة..ونرى ذلك في استدعاء معلومات حول السجل التاريخي..وكم ابدع فريقه وكم اخفق خصمه..ولا ينسىحتىالأهداف والتمريرات وألعاب الهواء.. ولابأس حتى من استدعاء ذمة حكم واتهامه بعدم الحياد او كثرة الأخطاء..ولا استثناء حتى لغرفة الفار مع أن كاميراتها لا تكذب ولا تتجمل..!