الحروب تعطل الإنتاج وتشعل الثورات

تحول الحروب والصراعات الداخلية المزارعين والعمال والموظفين والقيادات الفنية والإشرافية... من طاقة استثمارية لرفع الإنتاج وتحقيق الاكتفاء الذاتي من السلع والغذاء وتطوير الصناعات وتعظيم القدرة الاقتصادية وتحفيز الأسواق والقطاعات المختلفة وضمان زيادة النمو والتطور ودخل الفرد ومعالجة مشاكل الفقر والجهل والتخلف... إلى طاقة تدميرية تقتل وتهدم وتعيث الفساد والخراب، وتضاعف من معاناة البشر وتتسبب في المزيد من الفقر والتخلف وانتشار الفوضى وتعطيل المصانع والأراضي الزراعية وتعد دافعا أساسيا للثورات، كما أن الجزء الأكبر من الموارد المالية تهدر على تطوير الأسلحة واعداد الجيوش وتعزيز دور الجاسوسية وقيادة الحروب على حساب الفئات المستحقة من ذوي الدخول المحدودة وحاجات الفقراء وتطوير وتمويل البحوث والدراسات العلمية وتوفير الادوية ومكافحة الأمراض والآفات وتطوير البنية التحتية بما في ذلك التعليم والقطاعات الانتاجية التي تسوء أوضاعها بسبب الحروب التي تدفع الحكومات أيضا إلى فرض الإتاوات والضرائب وزيادتها بشكل كبير يرهق المجتمعات ويدفعهم الى الهجرة أو الثورة والفوضى، ودائما ما تصب الحروب في مصلحة الأثرياء والتجار والنخب السياسية الذين يشعلونها لتحقيق مصالحهم من بيع السلاح وتعظيم النفوذ وعقد الاتفاقيات وتوسعة إقطاعاتهم وانتهاز الفرص لفرض إرادتهم وتوظيف المعلومات لرفع الأسعار واحتكار السلع، إن الازدهار الاقتصادي يستلزم السلام والاستقرار، ويقدم التاريخ القديم والحديث الكثير من الأحداث التي تسند هذه الحقيقة ومن ذلك الحروب الكبرى بين روما وقرطاجة التي أدت إلى (توقف المواطنين - المزارعين المجندين في الجيش عن العمل بالزراعة وانضموا كليا إلى الجندية)، و(امتصت الاضطرابات السياسية المتكررة داخل ايران وحروبها غير الحاسمة مع الإمبراطورية الرومانية الشرقية (البيزنطية) معظم الموارد التي كان بمقدور الملوك البارثيين والساسانيين أن يحشدوها)، وأفرغت الحرب الأهلية في الصين في بدايات القرن الثامن عشر (خزانة الدولة)، وقتلت ما بين (عشرين مليونا وثلاثين مليون إنسان في أكبر حرب أهلية في التاريخ)، وأفقرت الحروب الطاحنة بين الروس من جهة والألمان والنمساويين من جهة أخرى الشعوب والمزارع والمصانع وحولتها إلى عالة وأصابت الحياة العامة بالشلل، وحولت الملايين من العمال والمزارعين والجنود، إلى وقود للثورة البلشفية التي ولدت من رحم هذه الحروب وما أعقبها من حروب أهلية، بعد أن آمنوا بأنهم (ليسوا إلا ماشية عجماء - لحوما في هذه المجزرة التي دبرها السادة)، وخلال الحرب العالمية الأولى (أوقف المتحاربون التجارة فيما بينهم، وانبروا في إغراق السفن التجارية بعضهم لبعض). وفي المناطق التي تسيطر عليها دول كبرى تفرض الحماية وتتعهد بالسلم والاستقرار ونشر قيم التسامح تزدهر التجارة وتنمو القطاعات الاقتصادية ويرتفع الدخل، وفي ظل نماذج من الدول الإسلامية القوية أدت أعمال الوقف الخيرية والمبادرات الرامية إلى تأمين الطرق من العصابات إلى عهود من السلم والاستقرار والى تنشيط التجارة وزيادة التبادل التجاري وتحفيز الأسواق وتشجيع القوافل على نقل السلع والبضائع والمنتجات الصوفية والحرفية الى أسواق العالم فقد (ابتكرت الحكومات الإسلامية طرقا إبداعية لدعم تجارة القوافل ماليا، إذ سمحت للمتبرعين بأن يوقفوا - باعتباره فعلا من أفعال الخير الدينية الأوقاف للخانات ونزل القوافل من خلال تخصيص ريوع في شكل سلع من عزب زراعية لإطعام التجار المتجولين وإبلهم، عادة في أثناء وقفات استراحة لا تتجاوز الواحدة منها ثلاثة أيام. كانت هذه الأوقاف معفاة من الضرائب، ومكنت الإبل من أن تجوز خلال المناطق الزراعية من دون أن تلحق الضرر بالمحاصيل بأكلها ليلا). وقد أدت الحروب الطاحنة التي يشعلها بضعة أفراد في بلداننا العربية إلى هجرة وتشريد ومقتل ملايين البشر وتدمير البنى التحتية والإرث الحضاري وتعطيل الانتاج وتفاقم مشاكل الفقر والجهل والتخلف.