العملات الرقمية عالم جديد، فتح أبوابه للمستخدمين الذين انقسموا ما بين واثق يستثمر به ومشكك يبتعد عنه بل ويرفضه تماما، هذا وقد عَرّف البعض العملة الرقمية بأنها وسيلة للتبادل المالي عبر عملات إلكترونية تستخدم نظام التشفير لتأمين المعاملات والتحقق منها، بل وأيضا للسيطرة على إنشاء وحدات مالية جديدة، وبشكلٍ أساسي، فإن العملات الرقمية ما هي إلا إدخالات محدودة في قاعدة بيانات لا يمكن لأحد أن يغيرها إلا من خلال شروط محددة، ولتبسيط تعريف هذه العملات فإنه يمكن القول بأنها: قيم نقدية ذات قبول عام يتم تخزينها وتداولها عبر الوسائل الإلكترونية، ليتم استخدامها لاحقا كوسيلة سداد وتقييم، وبالرغم من كون العملات الافتراضية مجهولة المصدر أحيانا وبالرغم من أنه لا وجود مادي أو فيزيائي لها، إلا أنها تعتبر من أهم أشكال العملات الرقمية، وذلك بسبب التطور التكنولوجي وزيادة الإقبال على العمل من خلال شبكات الإنترنت، ومن أهم عناصر هذه العملات ما يلي: أولا أنها مقبولة قبولا عاما وبالتالي فإنه يمكن استخدامها لشراء السلع أو سداد الديون، وهي أيضا غير مرتبطة بحسابات بنكية أخرى وهو ما يجعلها ذات قيمة ذاتية، قائمة على مبدأ العرض والطلب، أي أنها تستمد قيمتها من نفسها دون الاعتماد على أي من أشكال النقد الأخرى، وهذا ما يميزها عن بطاقات الائتمان الإلكترونية. ثانيا أنها افتراضية وغير مادية أي أنها موجودة على الوسائل الإلكترونية فقط وبالتالي فهي غير ملموسة ولا يمكن التعامل بها فيزيائيا، وهو ما يميزها عن العملات التقليدية. أما أهم أهداف التعامل بهذه العملات فهو استخدامها في التعاملات التجارية المباشرة وفي معاملات الدفع والسداد الإلكتروني، وأيضا في عمليات نقل وتحويل الأموال بين المستخدمين بسرعة ودون وجود للوسطاء، وبأقل تكلفة وجهد، دون الاعتراف بالحدود الجغرافية أو السيادية للدول ودون الخضوع لقوانينها الداخلية، بل وحتى بدون اكتراث لقيمة عملاتها الوطنية.. وهنا يأتي السؤال الأهم، فكيف تعمل هذه العملات؟ وكيف يتم إصدارها؟ العملات الرقمية بالغالب هي عملات لا مركزية، أي أنه لا يمكن لحكومة أو مؤسسة أن تتحكم في إنتاجها، بل يتم إصدارها عن طريق تكنولوجيا تدعى سلسلة الكتل (Block chain). وقد تم تعريف سلسلة الكتل في كتاب (ثورة سلسلة الكتل) على أنها دفتر حسابات إلكتروني، يستخدم لتسجيل المعاملات المالية والاقتصادية، لكل شيء له قيمة بحيث يتم تسجيله وتشفيره لدى كل مستخدم على شكل كتلة، ومن ثم يتم ربط جميع هذه الكتل ببعضها البعض لتكوين سلسلة من الكتل تكون موزعة ومحفوظة على حواسيب جميع المستخدمين حول العالم، مما يجعل عملية اختراقها أو التلاعب بها مستحيلة من الناحية العملية، لأنها كما ذكرنا محفوظة لدى المستخدمين وهو ما يجعل تغييرها أو محوها غير ممكن إلا عن طريق التحكم بحواسيب جميع المستخدمين حول العالم وهو أمر لا يمكن تحقيقه حاليا. أما أهم مخاطر وعيوب العملات الرقمية فهي ما يلي: نظرا لعدم إصدار العملات السابقة من أي جهة رسمية فإنه لا يوجد جهة مرجعية يمكن للمتضررين لأي سبب كان الرجوع لها، وبالتالي فإن المستخدم يعتبر مسؤولا شخصيا عن جميع تعاملاته بها. عدم وجود بيانات كافية لمستخدمي العملات الرقمية وعدم إمكانية الوصول لهذه البيانات من قبل الجهات الرقابية، يجعل منها الوسيلة المفضلة للتداولات المشبوهة، وهو أيضا سبب عدم إمكانية فرض رسوم أو ضرائب حكومية على تعاملاتها، مما يضر باقتصاديات بعض الدول. التذبذب الحاد والسريع في قيمة هذه العملات يزيد من الريبة والشك تجاهها، مما يخلق حالة من عدم الثقة بقيمتها وبالتالي يحولها من عملة متداولة إلى سلعة في سوق المضاربات. عدم توافر الإنترنت أو عدم قدرة الكثيرين على استخدام التطبيقات الخاصة بالعملات الرقمية لأسباب لوجستية أو معرفية، قد يجعل من الاعتماد عليها بشكل كامل أمر صعب تطبيقه عمليا. من هنا وبرغم العيوب السابقة، إلا أنه وبرأيي الشخصي فإن العملات الرقمية الافتراضية ستتطور وتنمو مستقبلا بوتيرة سريعة، فهي قد انتقلت من كونها فكرة افتراضية لتصبح حقيقة افتراضية لا يمكن التغاضي عنها.