الذكاء تلك الشعلة اللامعة التي تنير دروب الناس لتنتقل بهم من حالة الى أخرى ليراهنوا عليها في رفع مستوى أعمالهم وحياتهم اليومية، وبالرغم من ان تاريخ البشرية كان دائما ما يعتبر أن القوة الجسدية هي المقياس الأهم للنجاح والمثالية إلا أن عصرنا الحالي بات يُراهن على الذكاء المهني كمفتاح أساسي لتحقيق النجاح والتقدم، وهنا يأتي السؤال المهم: ما هو الذكاء المهني؟ وكيف تتم تنميته؟ وما هي أهميته؟ بداية فإنه يجب التنويه بأنه لا يوجد حتى الآن تعريف محدد للذكاء، فالذكاء بمفهومهِ العام يختلف من مجتمع الى آخر ومن بيئة إلى أخرى، ففي المدرسة مثلا الطالب الذكي هو ذلك الطالب المتفوق المجتهد الذي يُحقِّق اعلى الدرجات، أما في قطاع الأعمال فالمُستثمر الذكي هو من يُحسِن استغلال الفرص التجارية وبالتالي يحقق أعلى الأرباح، وبشكل عام فإن الذكاء هو الأداة التي تساعد الأفراد على التأقلم مع الظروف المحيطة بشكل أفضل للوصول إلى حل مشكلة معينة وهو أيضا وبمفهوم أبسط القدرة العقلية والبدنية على التكيف مع مختلف جوانب الحياة والإبداع فيها، أما الذكاء المهني فهو مجموعة من المهارات الذهنية والحركية وحتى التعبيرية التي يمتلكها الفرد ويستخدمها في أعماله لتحقيق أفضل النتائج بأسهل الطرق وأسرعها وهو ما يُحقق النجاح والإبداع المهني. أما بالحديث عن تنمية الذكاء المهني وهو العامل الأهم، فيمكن تلخيصها بما يلي: الابتعاد عن التسرُّع بردود الأفعال والعمل على تحكُّم الموظف في تصرفاته وانفعالاته المهنية وبالتالي أخذ الوقت الكافي للتفكير بأفضل التصرفات التي يجب عليه القيام بها، وهو أيضا ما يفتح الباب أمام أهمية تقييم الذات والاعتراف بالأخطاء ومن ثم العمل على تصحيحها وتلافي الوقوع بها مستقبلا. كذلك فإن العمل بجد وتركيز وتراكم الخبرات ومناقشة أصحاب المعرفة والتميز والتعلم منهم والمشاركة بالأعمال الجماعية هو واحد من أهم عوامل رفع مستوى الذكاء المهني وهو غالبا ما ينتج عن قرار يتخذه العامل باعتبار العمل من الأولويات التي يجب إعطاؤها الوقت والجهد اللازمين، وهو أيضا من الأمور التي تحتاج الى إحساس كامل بالمسؤولية بالإضافة الى مهارات عالية في التواصل مع الاخرين، فضلا عن شعور داخلي بالاحترام الحقيقي لجميع العاملين وهو ما يساعد في خلق بيئة تُساعد في تحويل الاجتماعات واللقاءات الى عملية عصف ذهني متواصل. أما أهمية الذكاء المهني، فبالنسبة للفرد فهو يساعده في تطوير نفسه وتحسين موقعه بالشركة وهو ما يُحقق له شعورا بالرضى وتحقيق الذات بالإضافة لتحسين مستواه المادي والوظيفي، أما بالنسبة للشركة فإن تقدم الفرد و زيادة انتاجيته يؤثر في مستوى أعماله وهو أيضا يُحفِّز زملاءه بالعمل على رفع مستوى كفاءاتهم وهو ما يساعد في تقدم الشركة على المستوى المهني والمادي، فمعظم الشركات الناجحة إن لم تكن جميعها ما هي الا مجموعة من الأشخاص ذوي الكفاءة والذكاء المهني، ولنا في شركات التكنولوجيا الحديثة خير مثال. وأخيرا وبرأيي الشخصي فإن الذكاء المهني هو حالة تحتاج لقرار يتخذه الموظف الذي يُدرك مدى أهميته في تغيير حياته المهنية وفي التأثير على نتائج الشركة التي يعمل بها مهما كانت درجته الوظيفية، وهو أيضا فعل يحتاج من الشركة نفسها بأن تُؤمن بقدرات موظفيها وبالتالي تترك لهم مساحة حقيقية يمكن لهم من خلالها إظهار مهاراتهم وإبداعاتهم، فهي وباختصار قرار يتخذه كل من الموظف والشركة التي يعمل بها لشحذ وتطوير أدوات العمل، وهنا أتذكر قصة منافسة قطع أكبر عدد من الأشجار خلال وقت زمني محدد، والتي كانت بين شاب قوي يعمل دون توقف، وعجوز أقل قوة ذو خبرة وذكاء مهني، حيث لاحظ الشاب خلال المنافسة أن منافِسه يتوقف عن العمل في فترات منتظمة، ففهم أنه يأخذ قسطًا من الراحة لكي يستطيع مواصلة السباق وقرر أن يستمر بلا توقف لكي يستفيد من لحظات توقف العجوز، وبالفعل بدأ باستغلال الوقت لقطع المزيد من الأشجار دون أخذ أي راحة، وفي نهاية المنافسة وقف الحطاب الصغير فوق الأشجار التي قطعها واثقًا من فوزه فهو لم يسترح ويضع الوقت مثل منافسه، وعند إعلان النتيجة كانت المفاجأة حيث كان الفوز حليفا للعجوز، وهنا سارع الشاب لسؤاله عن السبب، وكان الجواب: يا بني لقد كنت أتوقف بعد كل ساعة لفترة بسيطة ولم يكن ذلك للراحة بقدر ما كان لشحذ أدواتي لتكون أكثر قدرة وسرعة في قطع الأشجار، وهو ما جعلني أفوز.