الجنيه الإنجليزي وخروج بريطانيا من الاتحاد

تتوالى التأثيرات السلبية على الوضع الاقتصادي في بريطانيا نتيجة لقرار الشعب البريطاني بالخروج من الاتحاد الاوروبي. وقد بدأت المخاوف من تأثيرها على الواقع اليومي في عدد من القطاعات الاقتصادية الحيوية كقطاع العقارات، والأسهم والتجارة، والقوى العاملة، وانتهاء بالاضرار التي لحقت بالعملة الوطنية "الجنيه الإسترليني" الذي كان يعتبر إلى وقت قريب العملة العالمية الثانية. كما بدأت القيادة البريطانية في اختيار شخصية أخرى لتقود مسعى الخروج من هذه المنظومة خلال الفترة المقبلة. أما الجنيه الانجليزي فانه ما زال في حالة تراجع مقابل الدولار بحيث انخفض إلى أدنى مستوى له منذ 31 عاما، وبنسبة تزيد عن 15% مقابل الدولار واليورو. وهذا الأمر سوف يؤدي إلى حدوث تضخم كبير في أسعار عدة منتجات أجنبية، ويؤثر على حياة البريطانيين، وخاصة السياح الذين يتوجهون لقضاء العطلات خارج البلاد. فالقدرة الشرائية للجنيه الانجليزي تتراجع أمام قيم العملات الأجنبية، مع وجود ايجابية من هذا التراجع بالنسبة لبعض الشركات الصناعية المصدرة للمنتجات والسلع المحلية التي يمكن لها المنافسة في الأسواق العالمية. وتسويق ذلك يعتمد على مدى التعاون الاقتصادي الثنائي الذي سينتج لاحقا بين بريطانيا وتلك الدول، خاصة في مدى قدرتها في تسويق وتصدير المزيد من مركباتها في أسواق الاتحاد الاوروبي، حيث تقوم بريطانيا بإنتاج أكثر من 1.5 مليون سيارة سنويا، ويتم تصدير الجزء الأكبر منها إلى الاسواق الاوروبية.  إن تراجع العملة البريطانية يحمل جمة من المخاطر للقطاع المصرفي والمالي في تلك الدولة، في الوقت الذي بدأت البنوك الكبرى والمستثمرين من تحذير احتمال تراجع أكبر للعملة البريطانية مستقبلا. والمقابلات التي تم إجراؤها مع المستثمرين والمواطنين في بريطانيا حول وضع الجنيه تؤكد بأنهم الكثير منهم قلق ويتوقع بأن يكون تراجع العملة أكبر في العام المقبل. وهذا ما توقعت به بعض الوكالات المصرفية في العالم قبل بدء الاستفتاء. وقد أشار بنك ستاندرد تشارترد البريطاني مؤخرا إلى أن تراجع قيمة الجنيه يمثل الخطر الحالي أمام بريطانيا، ويرى وجود ثلاثة عوامل رئيسية ستقود الجنيه الاسترليني لمزيد من الضعف وهي المخاطر السياسية الاستثنائية، والرياح الاقتصادية المعاكسة، وأخيرا اضطراب الأسواق المالية وآفاق الاستثمار الأجنبي، متوقعا بأن تواجه بريطانيا مهمة شاقة في حماية العناصر الأساسية التي تضمن وصولها إلى سوق الاتحاد الأوروبي الموحدة، فضلا عن نظام جواز المرور الحالي، الذي يسمح للشركات البريطانية بالعمل في جميع أنحاء الاتحاد. كما أن انقسام الحزب الحاكم على القائد الجديد لتصريف الأعمال، وإمكانية استفتاء ثان لاستقلال اسكتلندا عن بريطانيا العظمى يضاف إلى المخاطر السياسية. وهذا الأمر – بلا شك- سيؤدي إلى تراجع قيم الاستثمارات الأجنبية إلى بريطانيا خلال المرحلة المقبلة، خاصة وأن عدم الاستقرار الاقتصادي والسياسي المحتمل، وكذلك العجز الهائل في الحساب الجاري لبريطانيا تعتبر من العوامل التي ستؤدي إلى استمرار تراجع الجنيه، وبالتالي على ثقة المستثمرين الذين سيعملون على نقل أموالهم الى ملاذات اكثر جدوى وأكثر أمانا، خاصة وأن البعض منهم بدأ بسحب أموالهم من صناديق الاستثمار التي تعمل في العقارات البريطانية. هناك اليوم مستويات مرتفعة من عدم اليقين لدى الكثير من المتعاملين نتيجة للاستفتاء الأخير حول مستقبل علاقة بريطانيا بالاتحاد الأوروبي، الأمر الذي إلى يؤدى إلى سحب الاموال من بعض الصناديق. كما أن التنبوءات المتشائمة للجنيه الاسترليني أضحت اليوم حقيقة لا مفر منها، بحيث تتعرض الشركات البريطانية المحلية والبنوك والمتاجر والعقارات إلى ضربة قاسية لتصريف ما لديها للمواءمة مع الوضع الاقتصادي الجديد. ويمكن القول اليوم بأن استفتاء الخروج من الاتحاد الأوروبي كانت فعلا ضربة قوية لبريطانيا واقتصادها، كما لها مخاوف أيضا على دول أخرى حتى هذه اللحظة. [email protected]