يقول الله عز وجل في محكم كتابه: «والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما» كنت أتعجب من صديقنا أحمد من جوانب عديدة، بينها أنني لم أسمعه يوما يشتكي من ضعف دخله وزيادة مصروفاته وغلاء المعيشة وارتفاع تكلفة الحياة بشكل عام، ولا يبدي تبرما، ولم يكن متشائما في نظرته المستقبلية كحال قرنائه الذين لا يفوتون لقاء ولا مناسبة إلا ويبثون في المحيط رؤيتهم السوداوية ومشاعرهم المحبطة وشكاويهم التي لا تنتهي من الديون والاحتياجات الأسرية المتنامية والدخول المتواضعة التي لا تكاد تكفيهم للثلث الأول من الشهر فيظلون يستدينون من هذا وذاك من الأصدقاء والزملاء... وعندما فاتحت أحمد مستوضحا منه حقيقة أمره الذي جعل منه إنسانا متميزا عنا في هذا الجانب خاصة - مع يقيني بأن دخله كذلك متواضعا كحال دخولنا جميعا - تبينتها من لسانه، وعندما يعرف السبب يبطل العجب كما يقول المثل العربي، ففي ضبط الانفاق والالتزام الدقيق والصارم بالبنود الشهرية يكمن السر، لقد أعد أحمد منذ أن التحق بالعمل برنامجا شهريا للصرف يتوافق مع دخله، الذي وزعه على جملة من البنود تشمل: (مستلزمات البيت الأساسية بما في ذلك فواتير الكهرباء والماء والهواتف ومصروفات أفراد الأسرة وراتب عاملة المنزل، مبلغ مستقطع للطوارئ الشهرية يغطي تكلفة الصيانات الطارئة شاملة المنزل والسيارة والأجهزة الكهربائية وغيرها، مبلغ آخر مستقطع يدخر للصيانة الشاملة وشراء سيارة بعد سنوات محددة - وهذا سر عدم لجوء أحمد إلى أي تمويل بنكي - الترفيه والسفر وفق خطة زمنية محددة، مبلغ صغير يستثمر في سوق المال). مما لا شك فيه بأن ضبط الانفاق وإعداد برنامج شهري يتضمن بنود المصاريف التي تحتاجها الأسرة على ضوء الدخل له منافع عديدة من أهمها: أولا: الاستقرار المالي داخل الأسرة والتخلص من الضغوط النفسية التي تنتج بسبب المصاريف المفاجئة وغير المتوقعة التي يعالجها برنامج الانفاق الذي يفترض به وضع الاعتبار للمصاريف الطارئة. ثانيا: الوقاية من القروض البنكية وفوائدها العالية وأقساطها التي تقصم الظهر وتستقطع جزءا كبيرا من الراتب وتكلفتها الباهظة على الأسر التي تلجأ اليها. ثالثا: تعود أفراد الأسرة على التوازن والاعتدال في الصرف والتنظيم وضبط الامور وترشيد الانفاق والابتعاد عن الاسراف والتبذير، وتمكن رب الأسرة من إدارة أسرته وبيته إدارة سليمة ناجحة والقدرة على التعامل مع الظروف الضاغطة على ضوء ما تتضمنه بنود الإنفاق من خيارات تمكنه من مواجهة أية متطلبات مالية طارئة. ولوسائل الاعلام دور هام ومسؤولية كبيرة في تعزيز وعي المجتمع لضبط انفاق الأسرة، حيث تتمثل الخطوات الأولى في (تحديد المصادر المختلفة للدخل وتدوينها، مثل: الراتب، والعائد من التّأجير، والفوائد على الودائع، وأرباح الأسهم وغيرها، ثمّ تدوين قائمة النفقات الشهرية، وهي تتضمن جميع النفقات بأنواعها، مثل: فاتورة البقالة، ومصاريف) عاملة المنزل، إذا كانت من الضروريات التي لا يستغنى عنها، و(نفقات الوقود للسيارة، كما يجب حساب النفقات الربع أو النصف سنوية كرسوم المدارس مثلاً، وذلك عن طريق تحويلها إلى شهرية وإضافتها لقائمة النّفقات الشهرية المذكورة، (ولا ننسى ما ورد عن الرسول صلى الله عليه وسلم في ضبط الانفاق حيث روي عنه بأنه قال: (كلوا وَاشْرَبُوا، وَالْبَسُوا وَتَصَدَّقُوا، فِي غَيْرِ إِسْرَافٍ وَلَا مَخِيلَةٍ).