عرض الكتاب للإرهاصات التي على ضوئها ازدهرت التجارة ونما المال في الدول الأوروبية والأساسات التي قام عليها هذا الازدهار غير المسبوق، ففي هولندا على سبيل المثال وبعد استقلالها من التاج الإسباني تحولت إلى «مركز أوروبي مالي، ونقطة جذب للأرصدة والسلع أيضا» فيما كان «سمك الرنجة المتواضع هو العمود الفقري لتجارة» الهولنديين، فانتعشت فيما بعد «صناعة السفن في المقاطعات الهولندية»، النجاح الهولندي ألهم الفرنسيين والبريطانيين ودولا أوروبية أخرى للاهتمام بالإصلاحات التجارية وبناء أساطيلها والسيطرة على البحار والمزيد من الأراضي، والمنافسة على الريادة والابتكار والبراعة وجني الأموال. خصص الكتاب فصلا مهما عنونه بـ «تطورات حاسمة في الريف»، تناول فيه القوانين القديمة التي تنظم «إنتاج الغذاء» وتخزينه ومراقبة منتجيه الذين يتهربون من القوانين لجني المزيد من الأرباح، إذ كانت الحكومات تخاف من المجاعة لما تحدثه من قلاقل وفوضى وتتسبب فيه من إخلال بالأمن، وأشار إلى العلاقة بين الإنتاج الغذائي من ناحية ونمو السكان وانعكاساتها في إحداث المجاعات من ناحية أخرى، وأساليب وطرق الإيجار بين ملاك الأراضي والمزارعين، والتحسينات التي شهدتها الزراعة، حيث «لم تقتصر التقنيات الزراعية المحسنة على زيادة المحاصيل فحسب، بل إنها قلبت النظام الزراعي القديم رأسا على عقب، وحل الإنتاج الموجه للسوق - بكل ما تطلبه من تعديلات عملية - محل حالة من الاستقرار تسترشد خطاها من التقاليد والأوضاع الموروثة»، كما تحدث بإسهاب عن التحولات التي مرت بها عملية إنتاج الغذاء وتطور الأنظمة والقوانين التجارية وإصلاح السياسات الاقتصادية والدخول إلى عوالم أخرى في الصناعات والإنتاج وتنويع الدخل، فقد «حسنت الثورة الزراعية من فرص الحياة أمام الجميع. وازدادت كثافة التجارة الداخلية في المواد الغذائية وغيرها من السلع، وتشكلت في أوروبا أكبر سوق قومية على الإطلاق وأكبر منطقة تجارة حرة». كما ساهمت الاكتشافات والرحلات التي نظمت نحو العالم الجديد في نقل سلالات من البذور والأشجار والحيوانات والطيور في تحسين جودة الانتاج في أوروبا، فقد «جلب كولومبوس في رحلته الثانية إلى نصف الكرة الأرضية الغربي بذورا لجميع أنواع الفواكه والخضروات الإسبانية التي لم ير مثيلا لها هناك، فيما جلبوا إلى أوروبا نباتات كالموز والليمون والبرتقال والرمان والتين والبلح والمكسرات وجوز الهند الذي كان قد اكتشف في أراضي الفلبين». أبرز التطورات التي رصدها الكاتب في الفصل الرابع «تعقيب على الأسواق والطبيعة البشرية» وساهمت في بروز «الرأسمالية» تمثلت في أولا: «تأسيس شركة الهند الشرقية التي استوردت منسوجات القطن والجنهام الزاهية»، ثانيا «تقلص مهابة السلطة بدرجة كبيرة، في ملك لم يعتل عرشه إلا بمنح رعاياه وثيقة حقوق، وطبقة أرستقراطية أظهر أفرادها اهتماما قويا بالتجارة، ورواد أعمال وسعوا ميدان المشاريع التجارية، ورأس مال اكتسب نشاطا بفضل التفاعل الاجتماعي المتواصل». ما قاد إلى «انتصار الرأسمالية على النظام التقليدي». ناقشت الكاتبة كذلك «إحدى أقدم المسائل الخلافية في تاريخ الرأسمالية»، وهي تلك المتعلقة بـ «مسؤولية أرباب العمل تجاه مستخدميهم بعد أن تنتفي إمكانية الاستفادة من عملهم؟». بمعنى إلزام الملاك بحماية العمال من تعسف أرباب العمل وأصحاب الشركات والمشاريع والأعمال، وهي جدلية لا تزال قائمة حتى اليوم، حيث تقوم الشركات والأسواق بفصل وتسريح الملايين من العمال بمجرد ما تنتهي الحاجة إليهم، وفقدانهم لوظائفهم ومصادر دخلهم، وهي مما يعدها أعداء الرأسمالية ثلمة من ثلماتها.